-عَزَّ عَزُّهُ- وَأَنْظُرُهُ وَأَرَاهُ فِي الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُرَى وَلَا يُوجَدُ فِي النُّورَانِيَّةِ بَلْ فِي البَشَرِيَّةِ فَقَطْ، وَمَا عَلِمَ أَنَّ كَوْنَ النُّورِ أَجَلُّ مِنْ كَوْنِ البَشَرِ وَوُجُودُهُ بِالنُّورِ أَبْقَى وَأَثْبَتُ مِنْ وُجُودِهِ فِي البَشَرِيَّةِ، لِأَنَّ عَالَمَ الأَجْسَامِ هُوَ عَالَمُ الفَنَاءِ وَالإِنْتلَامِ، فَلَا يَسْتَقِيمُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَالَمُ المَلَكُوتِ هُوَ عَالَمُ البَقَاءِ وَالدَّوَامِ، وَاسْتِقَامَةُ الوُجُودِ مَعَهُمْ لاِسْتِقَامَتِهِمْ عَلَى البَقَاءِ وَارْتِفَاعِهِمْ عَنِ الفَنَاءِ، وَجَاحِدُ النُّورِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الثُبُورِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾(1).
ثُمَّ قَالَ هَذَا الهَائِمُ المُتَحَيِّرُ الَّذِي لَاصَوَابَ لَهُ بِمَا أَقَرَّ وَلَا بِمَا أَنْكَرَ: فَانْظُرْ يَا أَخِي إِلَى مَثَلٍ قَرِيبٍ، فَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَخَرَجَتْ رُوحُهُ وَحَوْلَهُ قَوْمٌ فَهَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَرَاهَا أَوْ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنِ تَمْضِي، فَإِذَا كَانَ هَذَا الضَّعْفُ كُلُّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ، فَكَيْفَ يَرَوْنَ رَبَّ الأَرْوَاحِ وَمَالِكَهَا وَخَالِقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ؟
ثُمَّ قَالَ: وَمِثْلاً آخَرَ، فَإِذَا قَبَضَ اللهُ رُوحَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَهَلْ أَيُّ إِنْسَانٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُشَاهِدَ مَلَكَ المَوْتِ الَّذِي هُوَ مِنْ بَعْضِ عَبِيدِ اللهِ؟ وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ﴾(2).




