مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾(1)، فَاسْتَرْشَدْتُ الأَخِلَّاءَ وَالأَصْحَابَ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ البَابِ طَلَباً لِلرَّحْمَةِ وَخَوْفاً مِنَ العَذَابِ وَرَغْبَةً فِي الثَّوَابِ، فَأَجَابَنِي قَائِلٌ مِنْ بَعْضِ الأَصْحَابِ ذَوِي الأَلْبَابِ وَهُوَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ: أَيُّهَا المُرِيدُ الطَّالِبُ، المَدْنَفُ الرَّاغِبُ، إِنَّ هَذَا البَابَ لَا يُفْتَحُ إِلَّا بِالعَقْلِ، وَلَا يُغْلَقُ إِلَّا بِالجَهْلِ، فَقِفْلُهُ الجَهْلُ وَمِفْتَاحُهُ العَقْلُ، فَلَا يُغْلَقُ دُونَ عَاقِلٍ وَلَا يُفْتَحُ لِجَاهِلٍ فَتَلَطَّفْتُ لَهُمْ تَذَلُّلاً وَبِهِمْ مُتَوَسِّلاً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِطَلَبِ الاِسْتِعْطَافِ مِنْهُمْ عَلَى ضَعْفِي، وَأَنْ يُلْهِمَهُمُ التَّحَنُّنَ عَلَى شَغَفِي، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ العُهُودُ عَلَى حِفْظِ الحُدُودِ؟ فَأَجَبْتُهُ: إِنِّي قَبُولاً لِأَمْرِكُمْ وَمَصُوناً لِسِرِّكُمْ، فَلَا أَضَعُهُ إِلَّا عِنْدَ أَهْلِهِ عَلَى حَسَبِ إِعْتِرَافِي بِذَلِكَ، فَأَوْمَى شَائراً نَحْوَ البَابِ، فَنَظَرْتُ، فَرَأَيْتُ بَاباً مُشْرَعاً مَفْتُوحاً لِلنَّصْرِ وَالنَّاسُ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً، كُلٌّ لَهُ سُلَّمٌ وَمِعْرَاجٌ وَمَرْقَاتٌ إِلَى الوُصُولِ وَالدُّخُولِ فِي مَقَاصِيرِ تِلْكَ المَدِينَةِ وَدَرَجِهَا وَمَرَاتِبِهَا وَأَبْرَاجِهَا الحَصِينَةِ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى النِّعْمَةِ وَمَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنْ عَظِيمِ الرَّحْمَةِ، فَلَمَّا تَمَكَّنْتُ مِنْ فُرْصَةِ الجُلُوسِ مَعَ أَهْلِ تِلْكَ المُصُرِ وَمُسَامَرَتِهِمْ سِرْتُ عَلَى سَبِيلِهِمْ مُمْتَطِياً مَطَايَاهُمْ، وَذَلِكَ عَلَى بَصِيرَةٍ لَاعَلَى حَيْرَةٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ
1سورة الحديد الاية 13




