فِي البَشَرِيَّةِ النَّاسُوتِيَّةِ وَقَعَ عَلَيْهِ اِسْمُ النَّاسُوتِ، وَهُوَ يَعْظُمُ عَنْ جَمِيعِ مَانَظَرُوهُ بِهِ الأَنَامُ، وَيَعِزُّ أَنْ تَحْصُلَهُ الأَوْهَامُ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ أَمْكِنَةً لِلْمَعَارِفِ وَأَدِلَّةً لِلْمُتَعَارِفِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- أَنَّهُ قَالَ: أَتَدْرُونَ لِأَيِّ مَعْنًى قِيلَ فِي الإِسْمِ أَنَّهُ اِسْمٌ؟ قِيلَ لَهُ: لَا يَا مَوْلَانَا، فَقَالَ: إِنَّ الإِسْمَ سِمَةٌ لَكُمْ تَعْرِفُونَ بِهِ وَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَبْدَعَ لِكَوْنِكُمْ وَفَصَّلَ لِعِلَّتِكُمْ.
وَمَعْنَى سِمَةٌ لَكُمْ: أَيْ، عَلَامَةٌ لَكُمْ، وَأَنَّ القَدِيمَ الأَزَلَ وَمُعِلَّ العِلَلِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اِسْمٌ وَلَا نَعْتٌ وَلَا صِفَةٌ، فَلَا يُقَالُ فِيهِ لَا قَبْلَ وَلَا بَعْدَ، وَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَتِ الصِّفَاتُ لَا تُؤْذِيهِ وَالإِشَارَاتُ لَا تُعْيِيه، فَهُوَ ظَاهِرٌ مَوْجُودٌ وَبَاطِنٌ غَيْرُ مَفْقُودٍ، فَمِنْ حَيْثُ ظُهُورِهِ وَوُجُودِهِ لِلْعِيَانِ جَعَلَ الأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ وَأَقَامَهَا أَمَاكِناً لِمَعَارِفِ العَارِفِينَ وَدَلَائِلَا لِلْمُسْتَرْشِدِينَ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَعِبَارَةً لِلْمُعَبِّرِينَ، وَعَذَاباً عَلَى الجَاحِدِينَ، وَحُجَّةً عَلَى الشَّاكِّينَ المُنْكِرِينَ وَهُوَ تَعَالَى فِي نَفْسِ الحَقِيقَةِ مُرْتَفِعٌ عَنْهَا فِي ظُهُورِهِ وَبُطُونِهِ، بَلْ أَنَّهُ يَتَعَرَّفُ إِلَى خَلْقِهِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَحْدُثُ فِي الأَبْصَارِ مَا يَجِدُهُ بِهِ النَّاظِرُ، وَفِي العُقُولِ مَا يُحَقِّقُهُ بِهِ العَاقِلُ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ أَنَّ البَاطِنَ الخَفِيَّ هُوَ الَّذِي ظَهَرَ لِلْعَالَمِ فِي سَمَوَاتِهِ وَأَرْضِهِ لِيُمَكِّنَهُمْ مِنْ رُؤْيَتِهِ، كُلٌّ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ وَقُوَّةِ لَطَافَتِهِ وَقَدْرِ مَعْرِفَتِهِ وَصَفَاءِ جَوْهَرِيَّتِهِ وَإِشْرَاقِ نُورِ بَصِيرَتِهِ وَرِقَّةِ رُوحَانِيَّتِهِ، وَعَلَى قَدْرِ التَّفَاوُتِ فِي المَنَازِلِ وَالرُّتَبِ فِي المَعْرِفَةِ تَحْصُلُ الرُّؤْيَةُ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ فِي




