نَفْسِهِ شِدَّةُ الشَّوْقِ إِلَى أَهْلِهِ وَأَوْطَانِهِ، فَارْتَحَلَ مَعَ القَافِلَةِ وَنَسِيَ الكِتَابَ المَذْكُورَ فِي مَوْضِعِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ أَتَى النَّاسُ إِلَى المَسْجِدِ فَوَجَدُوا الكِتَابَ فَالتَقَطُوهُ وَفَضُّوهُ وَقَرَأُوهُ، فَلَمْ يَفْهَمُوا مِمَّا فِيهِ شَيْئَاً، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَى مَسَامِعِهِمْ إِلَّا صَفْحاً، فَسَلَّمُوهُ لِلدَّلَّالِ لِأَجْلِ البَيْعِ، فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ سِنْجَارَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُوَحِّدِينَ بِخَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَماً لَا غَيْرُ، وَإِسْمُ الرَّجُلِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الزَّجَّاجُ.
هَذَا مَاذَكَرَهُ حَاتِمٌ فِي كِتَابِ التَّجْرِيدِ قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَمَنْدِيَارُ النَّصُولِيُّ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَّا إِنَّهُ عَجَمِيٌّ، وَكَانَ سَبَبُ اِتِّصَالِهِ فِي عَانَةَ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ، فَحَصَلَ فِي بَعْضِ الأَسْفَارِ فِي مَدِينَةِ سِنْجَارَ وَكَانَ مِمَّنْ يُؤَاخِي عَلِيَّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الزَّجَّاجُ، فَلَمَّا رَآهُ اسْتَقْبَلَهُ بِأَحْسَنِ اسْتِقْبَالٍ وَأَكْرَمَهُ بِأَحْسَنِ إِكْرَامٍ، وَكَانَ عَلِيُّ المَذْكُورُ صَاحِبَ دَائِرَةٍ وَسِحْتٍ، فَلَمَّا أَدْخَلَهُ إِلَى قَاعَتِهِ وَجَدَ فِيهَا مِنَ التَّصَاوِيرِ شَيْئَاً يُذْهِلُ العَقْلَ، قَالَ: وَكَانَ لِلْوَالِي عِنْدَ عَلِيِّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الزَّجَّاجُ دُرَّةً فِي قَفَصٍ مِنَ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ، وَكَانَ لِلْوَالِي يَوْمَئِذٍ وَلَدَاً يُقَالُ لَهُ نُورُ الهَدَى وَيُحِبُّ الدُّرَّةَ حُبّاً شَدِيداً وَلَيْسَ لِأَهْلِهِ وَلَدَاً سِوَاهُ وَهُمْ يُحِبُّونَ الدُّرَّةَ لِمَحَبَّتِهِ، فَلَمَّا مَاتَ الوَلَدُ قَالَتْ أُمُّهُ: وَحَقِّ اللّٰهِ العَظِيمِ مَا عُدْتُ أَتْرُكُ هَذِهِ الدُّرَّةَ فِي هَذَا البَيْتِ لِأَجْلِ نُورِ الهَدَى، فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ - وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الوَالِي مُؤَاخَاةٌ عَظِيمَةٌ – فَقَالَ لِلْوَالِي: إِنِّي آخِذٌ هَذِهِ الدُّرَّةَ إِلَى قَاعَتِي حَتَّى تَبْرُدَ




