الفَهْمِ المُسْتَعِدِّ لِقَبُولِ الحَقِيقَةِ فَيَقْوَى بِهَا فَهْمُهُ وَيَتَّضِحُ بِهَا رَسْمُهُ وَيَزْدَادُ بِهَا رَغْبَةً وَيَمْلِي بِاتِّصَالِهِ بِهَا خَشْيَةً وَرَهْبَةً، وَيَمْتَنِعُ مِنْ قَبُولِهَا قَلِيلُ العِلْمِ الكَلِيلُ الفَهْمِ المُتَبَلِّدُ عَنِ الفِقْهِ، فَيَقِفُ عِنْدَ الجِدَارِ هَائِماً عَنِ الدُّخُولِ وَمُتَمَسِّكَاً بِالفُرُوعِ دُونَ الأُصُولِ.
وَلَوْ ذَهَبْنَا إِلَى ذِكْرِ بَعْضِ الفُصُولِ الَّتِي رَوَاهَا وَالأَخْبَارِ الَّتِي أَتَاهَا لَطَالَ الخِطَابُ وَعَجَزْنَا عَنْ حَصْرِهَا، تَرَكْنَا ذَلِكَ حَذْفاً لِلتَّطْوِيلِ وَرَغْبَةً فِي الإِيجَازِ، لِأَنَّ الكَلَامَ المُوجَزَ أَجْمَلُ وَأَجْمَعُ لِأَنَّنَا قَدْ بَرِهَنَّا فِي هَذَا الكِتَابِ نِهَايَةَ مَا يَقْصِدُهُ الطُّلَّابُ مِنْ مَعَانِي حَقَائِقِ الأَسْرَارِ رَدَّاً عَلَى هَذَا الرَّجُلِ المِهْدَارِ مَا يُغْنِي عَنِ الإِكْثَارِ وَالكَلَامِ القَلِيلِ أَقْرَبُ تَنَاوُلُ وَأَسْهَلُ تَأْوِيلُ وَأَثْبَتُ وَأَرْسَخُ مِنَ الكَلَامِ الطَّوِيلِ فِي أَذْهَانِ أَهْلِ الرِّيَاضَةِ فِي التَّحْصِيلِ لَاسِيَّمَا الشَّفَقَةُ عَلَى أَرْبَابِ الفَهْمِ الكَلِيلِ خُصُوصاً أَهْلَ القُصُورِ المُسْتَضْعَفِينَ عَنْ عَزَائِمِ الأُمُورِ، فَلَقَدْ أَوْرَدْنَا فِي هَذَا الكِتَابِ مِنْ هَذَا الفَنِّ مَا يُزِيلُ الخُلْفَ وَيَزِيدُ فِي النِّصْفَةِ مِمَّنِ اتَّصَفَ، فَمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ وَعَمِلَ بِمَا حَمِدَ مَسْرَاهُ وَصَارَ إِلَى مَجَادِلِ عُيُونِ الحَقَائِقِ مَصِيرُهُ وَمُنْتَهَاهُ وَكَانَ مِمَّنْ قَالَ اللّٰهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾(1)، وَمَنْ أَخْرَجَهُ بِظِهْرِ الغَيْبِ وَاسْتَلْحَظَهُ بِعَيْنِ




