إِعْلَمْ يَا أُوَيْسُ، إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- شَرَعَ الشَّرَائِعَ، عَقَلَهَا مَنْ عَقَلَهَا وَجَهِلَهَا مَنْ جَهِلَهَا فَالْعَاقِلُ: لَهَا مُتَّبِعٌ، وَالْجَاهِلُ: لَهَا مُبْتَدِعٌ، وَالتَّارِكُ: لَهَا مُمْتَنِعٌ، وَهِيَ الشَّرِيعَةُ الَّتِي نَدَبَ إِلَيْهَا أَهْلَ التَّوْحِيدِ المَقْرُونِ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَالمُعْرِضُونَ عَمَّا قَالَ المُلْحِدُونَ المُشَبِّهُونَ وَمَا ادَّعَوْهُ مِنْ عَظِيمِ الذَّنْبِ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّهُ قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ وَالقُدْرَةُ غَيْرُهُ كَذَبُوا يَا أُوَيْسُ، لَوْ كَانَتِ القُدْرَةُ غَيْرَهُ لَقُلْنَا أَنَّهُ كَانَ عَاجِزاً حَتَّى خَلَقَ القُدْرَةَ فَصَارَ قَادِراً، وَزَعَمُوا أَنَّ العِلْمَ غَيْرُهُ، كَذَبُوا عَلَى اللهِ لِأَنَّ كُلَّ عَالِمٍ بَعْدَ جَهْلٍ يَعْلَمُ، وَكُلَّ قَادِرٍ بَعْدَ عَجْزٍ يَقْدِرُ.
فَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ مِنْ قَوْلِ مَوْلَانَا عَلَى أَنَّ العِلْمَ وَالقُدْرَةَ مِنْ صِفَاتِ المَعْنَى الَّتِي لَيْسَتْ هِيَ غَيْرَهُ وَلَيْسَ هُوَ سِوَاهَا، عَزَّ عَنِ الصِّفَاتِ وَالنُّعُوتِ وَالإِشَارَاتِ، وَلِهَذِهِ الصِّفَاتِ مِنَ المَرَاكِزِ العُلْوِيَّةِ سِتَّةُ أَسْمَاءٍ بِعَدَدِ التَّجَلِّيَاتِ السِّتَّةِ وَهُمُ: المَشِيئَةُ وَالفِطْرَةُ وَالعِلْمُ وَالقُدْرَةُ وَاللُّطْفُ الخَفِيُّ، وَالسَّادِسُ الحِكْمَةُ الأَبَدِيَّةُ، وَفِي هَذِهِ المَظَاهِرِ الخَمْسَةِ تَوَسَّلَ إِلَى اللهِ السَّيِّدُ أَبِي عَبْدِ اللهِ فِي دُعَائِهِ بِقَوْلِهِ: أَسْأَلُكَ بِخَمْسِ حُجُبٍ نُورِيَّةٍ أَقَمْتَ لَهَا خَمْسَ حُجُبٍ ظِلِّيَّةٍ وَلِكُلِّ مِنْ هَذِهِ المَظَاهِرِ صِفَةٌ عِنْدَ التَّجَلِّي، وَمَجْمُوعُ جُمْلَتِهَا صِفَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ فِي أَعْيُنِ المَمْزُوجِينَ، وَفِيهَا يَقُولُ الشَّيْخُ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- : صِفَةٌ لِا كَالصِّفَاتِ وَآلَةٌ لا كَالآلَاتِ، وَعَنْهَا سَأَلَهُ اِبْنُ شُعْبَةَ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- بِقَوْلِهِ: يُخْبِرُنِي الشَّيْخُ، هَلْ هَذِهِ الصِّفَةُ هِيَ صِفَةُ الرَّبِّ الَّتِي اِحْتَجَبَ بِهَا؟ فَكَانَ




