وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ القَوْلُ فِي صَدْرِ هَذَا الكِتَابِ أَنَّهُ كَانَ إِطَّلَاعُهُ عَلَى هَذَا السِّرِّ بِالتَّلَصُّصِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ كَابَرَ أَهْلَهُ وَعَانَدَهُمْ عَلَيْهِ، فَحَقَّ فِيهِ القَوْلُ أَنَّهُ مَنْ دَخَلَ فِي هَذَا الأَمْرِ مِنْ غَيْرِ بَابِهِ وَأَدَاءِ حُقُوقِهِ فَحَقَّاً عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ كَمَا دَخَلَ فِيهِ، وَهَذَا الرَّجُلُ قَدْ خَرَجَ مِنْ رَأْيِ الشَّيْخِ بِشَهَادَةِ مَنْ نُطْقِ لِسَانِهِ، وَلَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهِ وَشَهَادَتِهِ بِالصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ كَالْبَشَرِ المَرْقُومَةِ بِالنَّظَرِ، لَاهِيَ كُلِّيَّةُ البَارِي وَلَا جُمْلَةٌ وَلَا جُزْءٌ، وَلَا البَارِي غَيْرُهَا، اِتِّصَالُهُ مِنْهَا كَالخَيْطِ الوَهْمِيِّ لَا دَاخِلٌ بِهَا مُلَازِمٌ، وَلَا هُوَ عَنْهَا بِخَارِجٍ.
فَيَا للّٰهِ مَا أَبْشَعَ هَذَا الكَلَامَ الَّذِي يُفْصِحُ بِأَنَّ الصُّورَةَ هِيَ أَكْبَرُ مِنَ البَارِي المُصَوِّرِ بِقَوْلِهِ: اِتِّصَالُهُ مِنْهَا كَالخَيْطِ الوَهْمِيِّ، وَإِنَّهُ جَعَلَ أَنَّ الصُّورَةَ مُمْتَدَّةٌ مِنَ البَارِي، فَهُوَ رَأْيُ أَهْلِ التَّفْوِيضِ، وَهَكَذَا كَانَ اِعْتِقَادُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ خَلَادٍ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُ مِنْ أَهْلِ العِنَادِ، وَإِنْ جَعَلَ أَنَّ البَارِي مُمْتَدٌّ مِنَ الصُّورَةِ فَهُوَ الكُفْرُ الصُّرَاحُ وَالشِّرْكُ المُبَاحُ، وَلَيْسَ هُوَ مَذْهَبٌ يَسْمَعُ وَلَا رَأْيَاً إِلَيْهِ يُفْزَعُ، لِأَنَّ الصُّورَةَ المَرْئِيَّةَ فِي نَفْسِ الحَقِيقَةِ لَمْ تَكُنْ إِلَّا الذَّاتُ المَعْنُوِيَّةُ الأَحَدِيَّةُ وَالغَايَةُ الكُلِّيَّةُ الَّتِي لَيْسَ البَارِي غَيْرُهَا وَلَا هِيَ سِوَاهُ.
وَقَوْلُنَا: لَيْسَتْ كُلِّيَّةُ البَارِي: يَعْنِي لَيْسَتْ كُلِّيَّةُ البَارِي بِالرُّؤْيَةِ وَالمَنْظَرِ، وَلَيْسَ البَارِي غَيْرُهَا فِي حَقِيقَةِ الجَوْهَرِ، بَلْ هِيَ هُوَ إِثْبَاتاً وَيَقِيناً، وَلَا




