وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ آدَابِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: أَنَّ صَاحِبَ العُلُومِ البَاطِنَةِ العَارِفَ بِهَا العَامِلَ بِمَعْنَاهَا يَرَى رَبَّهُ بِالنُّورَانِيَّةِ، وَأَمَّا رُؤْيَتُهُ بِالمَظَاهِرِ: فَمِنْ وَرَاءِ حِجَابِيَّةِ المَرَاتِبِ، فَالإِدْرَاكُ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ يَمْنَعُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا جَلَالُ نُورِ وَجْهِهَا، فَإِذَا اِكْتَسَتْ بِرَقِيقِ غَيْمٍ أَمْكَنَ رُؤْيَتُهَا، وَإِلَى مِثْلِ هَذَا أَشَارَ السَّيِّدُ الرَّسُولُ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي بَيَانِ الرُّؤْيَةِ الجَنَّابِيَّةِ المُتَشَبِّهَةِ بِرُؤْيَةِ القَمَرِ فَأَخْبَرَ عَنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِيَاءُ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ، فَنَبَّهَ هَذَا عَلَى بَقَاءِ رُتْبَةِ الحِجَابِيَّةِ وَهِيَ رُتْبَةُ المَظْهَرِ.
هَذَا مَا لَفَظَ بِهِ حَسَنُ بْنُ حَمْزَةَ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهِ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- : وَقَدْ وَرَدَ فِي الخَبَرِ النَّبَوِيِّ الصَّحِيحِ أَنَّ اللّٰهَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ يَتَجَلَّى يَوْمَ القِيَامَةِ بِصُوَرٍ مُتَنَوِّعَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهُوَ يَتَحَوَّلُ مِنْ أَدْنَى صُورَةٍ إِلَى غَيْرِهَا وَبِالعَكْسِ، وَسَبَبُ تَجَلِّيهِ بِذَلِكَ بِحَسَبِ العَلَامَاتِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ ظُنُونِهِمُ الاِعْتِقَادِيَّةِ فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي فَلْيَظُنَّ بِي خَيْرَاً وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى مَشِيئَتِهِ وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَإِرَادَتِهِ فِيهِمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إِنَّهُ يَأْتِيهِمْ بِصُورَةٍ غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ وَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَعُوذُ بِاللّٰهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَيَأْتِيهِمُ اللّٰهُ بِصُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ وَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا




