ثُمَّ قَالَ فِي فَصْلٍ آخَرَ مِنْ هَذَا الكِتَابِ المَوْسُومِ بِالأَصَيْفِرِ: إِنَّ مَعْرِفَةَ الإِلَٰهِ تَعَالَى بِصُورَةٍ يَحْمِلُهَا تَخْطِيطٌ، فَيَكُونُ الإِنْسَانُ بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ قَدْ أَحَاطَ بِالإِلَٰهِ وَحَصَرَهُ وَمَيَّزَهُ وَحَدَّهُ وَعَدَّهُ وَأَثْبَتَ وُجُودَهُ وَعِيَانَهُ وَأَفْرَدَهُ عَنِ العَقْلِ وَأَفْرَدَ العَقْلَ عَنِ النَّفْسِ، وَهَذَا هُوَ الضَّلَالُ وَاعْتِقَادُ الجُهَّالِ – أَعُوذُ بِاللّٰهِ مِنْ ذَلِكَ – لِأَنَّ العَالَمَ البَشَرِيَّ كَانَ عَنْ وُجُودِ عَالَمِ الأَنْوَارِ السَّمَاوِيَّةِ.
وَبُرْهَانُ ذَلِكَ وَاضِحٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ عَلَيْهِ، لِأَنَّه قَدْ تَقَدَّمَ بُرْهَانُ ذَلِكَ فِي المِلَلِ وَالشَّرَائِعِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِكْثَارِ القَوْلِ فِيهِ، فَالعَالَمُ الأَعْلَى فَهُوَ عَالَمُ النُّورِ أَقْدَمُ مِنَ البَشَرِيَّةِ عِنْدَ الإِلَٰهِ وَكُرَةُ الأَرْضِ جَمِيعِهَا لَمَا حَصَرَتْهُ العُلَمَاءُ وَأَقَامُوا البَرَاهِينَ عَلَيْهِ كَالنُّقْطَةِ مِنَ السَّمَاءِ، وَكُلُّ كَوْكَبٍ مِنَ الكَوَاكِبِ أَضْعَافُ كُرَةِ الأَرْضِ أَضْعَافاً كَثِيرَةً، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، لِأَنَّهُ كَلِمَةُ إِجْمَاعٍ بِاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ،فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ عَلَى مَا يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الإِلَٰهَ تَعَالَى ظَهَرَ بِالبَشَرِيَّةِ وَحْدَهَا دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ظُهُورٌ فِي السَّمَاوِيَّةِ وَانْتَقَلَ مِنْ عَصْرِ آدَمَ إِلَى زَمَانِ الحَسَنِ العَسْكَرِيِّ وَظُهُورِ الحُجَّةِ مَنَعَهُ عَنِ الظُّهُورِ وَالوُجُودِ وَالحُضُورِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أُمُورٍ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ كَفَرُوا بِهِ أَوْ أَنْ يَكُونَ قَدْ غَابَ عَنْهُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اِنْتَقَلَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ يَدْعُو أَهْلَهُ وَيُرْشِدُهُمْ، وَجَمِيعُ مَا يُنْسَبُ إِلَى هَذِهِ الأَحْوَالِ بَاطِلٌ وَمُحَالٌ وَذَلِكَ أَنَّ اللّٰهَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ حَاضِرٌ مَوْجُودٌ لِخَلْقِهِ غَيْرُ مَفْقُودٍ، ظَاهِرٌ بِكُلِّيَّتِهِ




