وَحَجَبْتَنَا بِهَا وَظَهَرْتَ لَنَا فِي صُورَةٍ كَصِفَاتِنَا عَرَفْنَاكَ وَوَحَّدْنَاكَ وَلَا نَعْصِيكَ فَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى أَمْراً مِنْهُ بِالهُبُوطِ: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ﴾(1).
ثُمَّ وَعَدَ تَابِعِي الهُدَى الآتِي مِنْهُ بِالأَمَانِ مِنَ الخَوْفِ وَالأَحْزَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(2) يَعْنِي: مَنْ ثَبَتَ عَلَى الإِقْرَارِ الأَوَّلِ ثُمَّ تَابَعَ الهُدَى بِالظُّهُورِ الآتِي كَمَثَلِ المِثَالِ المَضْرُوبِ مِنَ الحَمَإِ المَسْنُونِ وَهُوَ الطِّينُ المَعْرُوك الَّذِي اُمْتُحِنَ سَائِرُ العَالَمِ بِالسُّجُودِ لَهُ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فَأَيُّ بَيَانٍ أَبْيَنُ وَأَجْلَى وَأَكْشَفُ مِنْ هَذَا البَيَانِ لِمَنْ كَشَفَ اللّٰهُ عَنْ قَلْبِهِ الرَّانَ وَأَشْرَقَ عَلَيْهِ نُورُ الإِيمَانِ.
وَأَمَّا ذُو العَمَايَةِ وَالحِرْمَانِ: فَلَرُبَّمَا ذِهْنُهُ لَا يَتَصَوَّرُ ذَلِكَ، وَلِقِصَرِ عِلْمِهِ وَكَلَالِ فَهْمِهِ وَنَقْصِ الحَظِّ وَالقَسَاوَةِ وَالغِلَظِ فَلَا يَتَّضِحُ لَهُ وَجْهُ الحَقِيقَةِ، وَلَا يَسْهُلُ لَهُ سُلُوكُ الطَّرِيقَةِ، وَلِزِيَادَةِ العِنَادِ وَالعَمَى عَنِ الرَّشَادِ يَزْرِي عَلَى المُحِقِّينَ وَيَزْدَهِي بِقَدْرِ المُؤْمِنِينَ العَارِفِينَ مُفْتَخِرَاً بِذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يُنَاسِبُهُ بِالقُصُورِ عَنِ الاِسْتِضَاءَةِ بِضِيَاءِ النُّورِ، وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ يَنْتَسِبُ بِفِعْلِ هَذَا إِلَى سُوءِ




