عَلَى تَجَرُّدِهِمْ عَنْ عَالَمِ الأَجْسَامِ، وَأَنَّهُمْ لَا يُفْسِدُونَ وَلَا يَسْفِكُونَ دَمَاً، وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي البَشَرِيَّةِ، فَقَدْ نَزَّهُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَزَكَّوْهَا بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ﴾، فَأَجَابَهُمُ الحَقُّ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ التَّجْهِيلِ وَعَدَمِ الإِطَّلَاعِ عَلَى عِلْمِ الغَيْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَقَدِ اِسْتَحَقَّيْتُمُ الهُبُوطَ بِرَدِّكُمْ عَلَيَّ قَوْلِي، وَقَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ بِالهُبُوطِ إِلَى الأَرْضِ، فَقَالُوا وَقَدْ دَاخَلَهُمْ ضَعْفُ اليَقِينِ: قُومُوا بِنَا نَجْتَمِعْ إِلَى رَبِّنَا وَنَسْأَلْهُ أَنْ لَايُنْزِلَنَا إِلَى الأَرْضِ، وَأَنْ يُبْقِيَنَا فِي السَّمَاءِ نُشَاهِدُهُ وَنَعْبُدُهُ.
أَمَّا فِي نَفْسِ هَذَا الخِطَابِ بُطْلَانُ اِعْتِقَادِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ البَارِي لَا يُرَى فِي النُّورَانِيَّةِ، وَكَيْفَ لَا وَهُمْ يُخَاطِبُونَهُ شِفَاهاً وَيُشَاهِدُونَهُ مَوْجُوداً حَاضِراً وَيَرَوْنَهُ عِياناً، وَإِنَّمَا اِسْتَحَقُّوا الهُبُوطَ لِاتِّهَامِهِمْ بَارِيَهُمْ بِفِعْلِ غَيْرِ الوَاجِبِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، فَنَسَبَهُمْ لِلْعِصْيَانِ بِقَوْلِهِ لَهُمْ: عَصَيْتُمُونِي بِرَدِّكُمْ عَلَيَّ قَوْلِي، فَلَوْ أَنَّكُمْ قُلْتُمْ: إِلَٰهَنَا لَكَ المَشِيئَةُ وَالعِلْمُ وَالقُدْرَةُ وَالإِرَادَةُ فِي الفِعْلِ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ، قَدْ كُنْتُ أَشْكُرُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِكُمْ وَهَذَا كُلُّهُ خِطَابٌ لِمُعَايِناً مُوَاجِهاً، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: لَقَدِ اِسْتَحَقَّيْتُمُ الهُبُوطَ إِلَى الأَرْضِ، وَإِنِّي أَخْلُقُ لَكُمُ الأَبْدَانَ الطِّينِيَّةَ اللَّحْمِيَّةَ الدَّمَوِيَّةَ، وَسَأَحْتَجِبُ فِيمَا أَخْلُقُ لَكُمْ، فَمَنْ عَرَفَنِي هُنَا عَرَفَنِي هُنَاكَ، وَمَنْ أَنْكَرَنِي هَاهُنَا أَنْكَرَنِي هُنَاكَ فَقَالُوا لَمَّا رَأَوُا الأَمْرَ حَتْماً لَازِماً وَقَضَاءً جَازِماً: رَبَّنَا إِذَا خَلَقْتَ لَنَا أَجْسَاماً




