الَّتِي وَرَدَتْ عَنِ المَوَالِي -عَزَّ عَزُّهُمْ- بِالحَثِّ عَلَى مَعْرِفَةِ الوُجُودَيْنِ النُّورِيِّ وَالبَشَرِيِّ.
وَلَقَدْ مَرَّ فِي صَدْرِ هَذَا الكِتَابِ مِنَ الشَّوَاهِدِ مَا بِهِ هُدًى وَنُورَاً وَشِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ لَاسِيَّمَا هَذَا الشَّاهِدُ المَشْهُورُ مِنْ كِتَابِ الأُسُوسِ، وَقَدْ سَبَقَ القَوْلُ بِهِ فِي هَذَا الكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَنِ الحَقِّ: وَذَلِكَ أَنَّ المَلَائِكَةَ سَمِعَتْ مِنْهُ كَلَامَاً وَرَأَتْ لَهُ نَفْسَاً، وَرَأَتْ لَهُ رُوحَاً، وَشَاهَدَتْ لَهُ قُدْرَةً، وَشَاهَدَتْ مِنْهُ مَا شَاهَدَتْ مِنْ نَفْسِهَا، فَلَمْ تَعْرِفْ أَنَّهُ رَبَّهَا بِالنُّطْقِ وَالنَّفْسِ وَالذَّاتِ، ثُمَّ إِنَّ اللّٰهَ -عَزَّ عَزُّهُ- أَظْهَرَ لِنَفْسِهِ أَشْخَاصَاً كَهَيْئَةِ المَلَائِكَةِ النُّورَانِيِّينَ بِصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ: بِصُورَةِ الشَّيْخِ الكَبِيرِ الأَبْيَضِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، وَهُوَ عَلَى مَا وَصَفَهُ دَانِيَالُ حِينَ رَأَى قَدِيمَ الأَيَّامِ عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ نُورٍ وَحَوْلَهُ المَلَائِكَةُ وَهُوَ عَلَى صُورَةِ الشَّيْخِ الكَبِيرِ الأَبْيَضِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَذَلِكَ بِالوَقَارِ وَالرَّحْمَةِ وَالهَيْبَةِ يَتَلَطَّفُ بِالمَلَائِكَةِ، ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَيْهِ فَرَأَيْتُهُ كَهَيْئَةِ الشَّابِّ رَاكِبٌ عَلَى أَسَدٍ مَفْتُولِ السِّبَالِ وَذَلِكَ بِهَيْئَةِ الغَضَبِ، ثُمَّ أَرَاهُمْ قُدْرَتَهُ بِالتَّرْبِيَةِ وَالغِذَاءِ بِصُورَةِ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ وَأَوْرَاهُمْ كَيْفَ يُغَذَّى وَكَيْفَ يَفْطِمُ، فَعَلِمَتِ المَلَائِكَةُ ذَلِكَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتِ المَلَائِكَةُ مِنَ الشَّيْخِ قُدْرَةً وَعِلْمَاً، وَمِنَ الشَّابِّ قُدْرَةً وَعِلْمَاً، وَمِنَ الطِّفْلِ قُدْرَةً وَعِلْمَاً، وَمِنَ الجَوْهَرِ القَدِيمِ قُدْرَةً وَعِلْمَاً، فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الصُّوَرُ وَلَمْ تَخْتَلِفْ عَلَيْهِمُ القُدَرُ.




