الجُهَلَاءِ، لِأَنَّ العَالَمَ رَبَّانِيٌّ، أَمَا رَأَيْتَ المُعَلِّمَ كَيْفَ يُعَلِّمُ صِبْيَانَهُ فَيَرْفَعُهُمْ مِنْ دَرَجَةٍ إِلَى دَرَجَةٍ أُخْرَى وَلَا يُخْبِرُهُمْ بِمَا عِنْدَهُ حَتَّى يَسْتَحِقُّوا ذَلِكَ.
فَأُثْبِتَ لِلْعَالَمِ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الحُجُبِ النُّورِيَّةِ وَالبَشَرِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الوُصُولُ لِشَخْصٍ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ غَيْرِ بِالتَّدْرِيجِ، فَهُوَ يَبْدَأُ بِهِ أَوَّلَاً لِمَعْرِفَةِ الأَقْرَبِ، وَهُوَ الظُّهُورُ بِالحُجُبِ البَشَرِيِّة، فَإِذَا حَصَلَ مِنَ الطَّالِبِ القُبُولُ الكُلِّيُّ رَقَى بِهِ العَالِمُ إِلَى مَعْرِفَةِ الحُجُبِ النُّورِيَّةِ، وَإِنْ ضَعُفَ عَنْ حَمْلِ ذَلِكَ فَلَا يُكَلِّفُهُ، بَلْ إِنَّمَا يُوقِفُهُ عِنْدَ وُقُوفِ فَهْمِهِ، ثُمَّ قَالَ العَالِمُ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ: فَلَا بُدَّ لِلْآمِرِ وَالنَّاهِي مِنْ أَنْ يُفَهِّمَ خَلْقَهُ أَمْرَهُ وَنَهْيِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُهَيِّأَ كَهَيْئَاتِهِمْ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ.
قَالَ السَّائِلُ: فَكَيْفَ لَا يُكَلِّمُهُمْ بِالرُّبُوبِيَّةِ التِي لَيْسَ فِيهَا هَيْئَةٌ وَلَا صُورَةٌ؟ قَالَ العَالِمُ: وَقَدْ رَأَيْنَا صُوَرَاً كَثِيرَةً لَا يَفْهَمُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، فَلَا يَفْهَمُ الشَّيْءُ عَنْ خِلَافِ جِنْسِهِ وَهُوَ بِخِلَافِ الأَشْيَاءِ كُلِّهَا، فَكَيْفَ يَفْهَمُوا عَنْهُ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ؟ قَالَ السَّائِلُ: بِقُدْرَتِهِ؟ قَالَ العَالِمُ: إِنَّ قُدْرَتَهُ أَزَلِيَّةٌ، فَكَيْفَ يَفْهَمُ عَنْهَا المُحْدَثُ، وَالمُحْدَثُ لَا يُعَبِّرُ عَنِ المُحْدَثِ إِلَّا إِذَا كَانَ مِثْلَ جِنْسِهِ، وَإِذَا كَانَ مُبَائِناً لِجِنْسِهِ فَلَا يَفْهَمُ عَنْهُ، لِأَنَّ العَرَبِيَّ لَا يَفْهَمُ عَنِ الأَعْجَمِيِّ، وَالعَجَمِيُّ لَا يَفْهَمُ عَنِ الرُّومِيِّ، وَالرُّومِيُّ لَا يَفْهَمُ عَنِ البَرْبَرِيِّ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ اِخْتِلَافُ




