قَالَ السَّائِلُ: مَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ يَعْنِي: مَا عَلَامَةُ ظُهُورِهِ بِالأَوْصِيَاءِ؟ وَلِأَيِّ شَيْءٍ نَعْرِفُهُ وَنَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ إِذَا كُنَّا نَرَاهُ بِصِفَاتِ البَشَرِ؟ قَالَ العَالِمُ: عَلَامَةُ ذَلِكَ نُطْقُهُمْ بِالغَيْبِ وَإِحْيَاؤُهُمُ المَوْتَى وَتَغْيِيرُهُمُ الشَّيْءَ عَنْ كِيَانِهِ وَهَيْئَتِهِ فَذَلِكَ لِلرَّبِّ لَا لِلْعَبْدِ، قَالَ السَّائِلُ: وَلِمَ ذَلِكَ؟ يَعْنِي: لِمَ لَا يَظْهَرُ ظُهُوراً وَاحِداً لِأَهْلِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، قَالَ العَالِمُ: لِيُنْصِفَ أَهْلُ الأَرْضِ كَمَا أُنْصِفَ أَهْلُ السَّمَاءِ وَلِيَعْرِفَهُ أَهْلُ الأَرْضِ كَمَا عَرَفَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ.
وَالمَعْنَى فِي ذَلِكَ: وَمَا ظَهَرَ البَارِي تَعَالَى فِي البَشَرِيَّةِ إِلَّا لِيُنْصِفَ أَهْلُ الأَرْضِ لِعِلْمِهِ فِيهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ عَنِ الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ الَّتِي شَاكَلَتْ عَالَمَ النُّورِ بِالرُّؤْيَةِ وَالمَنْظَرِ، فَتَلَطَّفَ لَهُمْ بِلُطْفِ ذَوَاتِهِمْ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ كَمَا تَلَطَّفَ لِعَالَمِ النُّورِ بِإِظْهَارِ الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَدْلٌ، وَلِهَذَا قَالَ دَاوُدُ النَّبِيُّ -عَزَّ عَزُّهُ- لِلْجِبَالِ وَالأَشْجَارِ: تَصَفَّفَنَ وَسَبِّحْنَ لِلرَّبِّ الَّذِي يَجِيءُ بِالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ لِيُدَبِّرَ أَهْلَ الأَرْضِ وَيَقْضِي لِلْعِبَادِ بِالقِسْطِ وَلِلشُّعُوبِ بِالعَدْلِ، وَكَذَا قَوْلُهُ ظَهَرَ اللّٰهُ فِي جَمَاعَةِ المَلَائِكَةِ.
قَالَ السَّائِلُ: فَأَهْلُ الأَرْضِ يَعْرِفُونَ هَذِهِ الأَسْمَاءَ وَالقُدْرَةَ وَالحُجُبَ؟ يَعْنِي: هَلْ يَعْرِفُونَ أَهْلُ الأَرْضِ هَذِهِ الأَسْمَاءَ وَالقُدَرَ وَالحُجُبَ الَّذِي أَظْهَرَهَا فِي النُّورَانِيَّةِ وَالبَشَرِيَّةِ، قَالَ العَالِمُ: نَعَمْ، مَعْرِفَتُهَا عَلَى العُلَمَاءِ يُؤَدُّونَهَا إِلَى




