يَشْغَلَ حَيْزاً وَيُخْلِي غَيْرَهُ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ لِلْبَشَرِ لَمْ يَغِبْ عَنْ أَهْلِ النُّورِ وَلَا أَخْلَى السَّمَاءَ مِنْ وُجُودِهِ لَهُمْ، بَلْ ظَهَرَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ عَلَى صِفَاتِهِمْ وَلِأَهْلِ الأَرْضِ عَلَى صِفَاتِهِمْ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِالظُّهُورِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، لِأَنَّ اِنْتِقَالَهُ لَيْسَ بِعَرَضٍ فَيُغَيِّرُهُ بَلْ هُوَ بِالصِّفَةِ مُنْتَقِلٌ، يَعْنِي بِاخْتِلَافِ الصُّوَرِ وَاِتِّفَاقِ القُدَرِ لِإِثْبَاتِ الوُجُودِ وَنَفْيِ العَدَمِ، ثُمَّ أُثْبِتَ القُدْرَةَ الَّتِي تَجْرِي عَلَى يَدِ الأَمْلَاكِ الأَرْبَعَةِ بِأَنَّهَا لِلْبَارِي تَعَالَى، وَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَمْراً لِإِظْهَارِ قُدْرَةٍ فَيَتَصَوَّرُ عَلَى صُورَةِ ذَلِكَ المَلَكِ، وَيَجْرِي مَا أَرَادَ أَنْ يُجْرِيَهُ فَتَكُونَ القُدْرَةُ لِلْقَادِرِ وَالشَّرَفُ لِلْمَلَكِ وَالنَّاسُ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا أَنَّهَا لِلْمَلَكِ فَيُسَمَّى المَلَكُ عِنْدَ ذَلِكَ حِجَاباً.
ثُمَّ قَالَ السَّائِلُ: فَلِلَّهِ حُجُبٌ غَيْرُ هَؤُلَاءِ المَلَائِكَةِ؟ قَالَ العَالِمُ: نَعَمْ، لِلَّهِ حُجُبٌ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً مِنْ نُورٍ، فِي كُلِّ سَمَاءٍ حِجَابٌ، يَكُونُ فِي ذَلِكَ الحِجَابِ سَاعَتَيْنِ، فَيَنْتَقِلُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، قَالَ السَّائِلُ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الحُجُبِ بِأَيِّ صُورَةٍ هِيَ؟ قَالَ العَالِمُ: نُوراً يَتَلَأْلَأُ، فَهَذَا مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى وُجُودِهِ بِالنُّورَانِيَّةِ لِأَهْلِ المَرَاتِبِ السَّبْعَةِ العَلَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ السَّمَوَاتُ السَّبْعَةُ.
ثُمَّ قَالَ السَّائِلُ: فَلِلَّهِ حُجُبٌ غَيْرُ هَذِهِ؟ قَالَ العَالِمُ: نَعَمْ، ظُهُورُهُ بِالأَوْصِيَاءِ وَنُزُولُ القُدْرَةِ بِالأَنْبِيَاءِ، إِشَارَةُ العَالِمِ بِهَذَا القَوْلِ إِلَى وُجُودِهِ لِلْبَشَرِ كَمَا أَشَارَ أَوَّلَاً إِلَى وُجُودِهِ لِأَهْلِ النُّورِ.




