وَنَرْجِعُ إِلَى مَا كُنَّا بِهِ مِنْ تَفْسِيرِهِ لِلْقُدَّاسِ المَشْهُورِ بَعْدَ أَنْ أَطَالَ تَنْمِيقَاً وَانْحِرَافاً وَتَزْوِيقاً فَقَالَ فِي الصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ: بِأَنْ لَيْسَ لَهَا مُصَوِّرٌ وَلَا فَوْقَهَا غَايَةٌ.
فَأَقُولُ: إِنَّ هَذَا القَوْلَ هُوَ الأَصْلُ الَّذِي لَا يَعْتَلُّ، فَلَعَمْرِي أَنَّهُ لَوْ اِعْتَقَدَ ذَلِكَ وَثَبَتَ عَلَيْهِ كَانَ مُحِقّاً فِي اِعْتِقَادِهِ، وَلَكِنَّهُ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ اِسْمَاعِيلَ بْنِ خَلَّادٍ وَأَهْلِ التَّفْوِيضِ وَقَالَ فِي الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ بِأَنَّهَا هِيَ القُدْرَةُ، فَهَذَا رَأْيُ أَهْلِ التَّفْوِيضِ، لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الصُّورَةَ قُدْرَةٌ مِنْ قَدِيرٍ وَنُورٌ مِنْ مُنِيرٍ كَمَا تَقَدَّمَ القَوْلُ.
ثُمَّ قَالَ: فَمَا نَظَرَتِ العُيُونُ إِلَّا عَجْزاً، وَلَا نَطَقَتِ الأَلْسُنُ إِلَّا ضَعْفاً، وَلَا تَمَيَّزَتِ القُلُوبُ وَالأَذْهَانُ إِلَّا وَهْماً، سُبْحَانَهُ مَا أَعْظَمَ شَأْنَهُ، فَإِذَا كَانَ ظَاهِراً بَيْنَ عِبَادِهِ كَصُوَرِهِمْ وَهَيْئَاتِهِمْ وَهُمْ لَا يُدْرِكُونَ مِنْهُ شَيْئاً، فَكَيْفَ يَجُوزُ لِلْجَاهِلِ الخَسِيفِ العَقْلِ أَنْ يَقُولُ: إِنِّي أُشَاهِدُ رَبَّ الأَرْبَابِ، وَأُعَايِنُهُ فِي الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَيَجْعَلُهُ سَمَاءً وَشَمْساً وَقَمَراً وَلَيْلاً وَنَهَاراً وَقَوْسَ قُزَحَ وَبَرْقاً وَرَعْداً وَفَلَكاً وَرِيحاً وَغَيْماً وَيَجْعَلُونَهُمْ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللهِ وَهُوَ جَلَّ أَنْ تُدْرِكَهُ الأَبْصَارُ وَتُحِيطَ بِهِ الأَفْكَارُ.
فَأَقُولُ: إِنَّهُ لَوْ اِقْتَصَرَ هَذَا المُتَخَرِّصُ عَلَى مَا قَرَّرَ كَانَ عَلَيْهِ أَجْمَلُ وَأَسْتَرُ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ المَقَالَاتِ وَخَلَطَ بَيْنَ جُمْلَةٍ مِنْ ذَوِي




