وَلِهَذَا قِيلَ: غَيْبَةٌ مَوْجُودَةٌ، فَهِيَ غَيْرُ مَعْدُومَةٍ، لِأَنَّ المَوْجُودَ هُوَ المُعَايَنُ المُشَاهَدُ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الغَيْبَةَ لَيْسَتْ عَنِ الأَبْصَارِ بَلْ عَنِ الأَفْهَامِ وَالأَفْكَارِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾(1) وَلِهَذَا قِيلَ: أَنَّهُ ظَاهِرٌ لِعَارِفِيهِ وَغَائِبٌ عَنْ جَاحِدِيهِ وَنَاكِرِيهِ، لِأَنَّ الحَقَّ تَعَالَى مُتَجَلٍّ بِأَعْيَانِ المَوْجُودَاتِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ قَابِلِيَّةُ كُلِّ هَيْئَةٍ لِكُلِّ مَوْجُودٍ لِأَنَّ الحَقَّ تَعَالَى وَاحِدٌ مُتَعَدِّدٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ المَوْجُودَاتِ، وَهُوَ بِالحَقِيقَةِ لَا تَعَدُّدَ لِذَاتِهِ، لِأَنَّ الشَّيْءَ الوَاحِدَ إِذَا تَعَدَّدَ بِاِعْتِبَارَاتٍ كَثِيرَةٍ وَهُوَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَذَلِكَ الخَمْرَةُ أَيْضاً لَهَا أَسْمَاءٌ عَدِيدَةٌ وَهِيَ ذَاتٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذِهِ الأَسْمَاءُ وَالإِعْتِبَارَاتُ فَهِيَ صِفَاتُ مَوْجُودَاتِهِ وَهُوَ تَعَالَى لَا تَعَدُّدَ لِذَاتِهِ، لِأَنَّهُ جُزْءٌ أَصَمُّ.
وَقَوْلُنَا: جُزْءٌ أَصَمُّ، لَيْسَ بِمَعْنَى أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ شَيْءٍ بَلْ إِنَّمَا هُوَ جُزْءٌ وَاحِدٌ غَيْرُ مُتَقَسِمٍ وَلَا مُتَبَعِّضٍ وَلَا مُتَجَزِّيءٍ، مَوْجُودٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ بِحَسَبِ اِسْتِعْدَادِهِ وَصَفَاءِ جَوْهَرِيَّتِهِ تَسْتَحِيلُ غَيْبَتُهُ مَعَ مَوْجُودَاتِهِ، لِأَنَّهُ أَوْجَدَ المَوْجُودَاتِ، فَالتَكَنُّفُ لَا يُطْلَقُ عَلَى ذَاتِهِ إِذْ لَوْ كَنَفَها شَيْءٌ لَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ




