فِينَا لِاِسْتِعَارَةِ اللَّفْظِ دُونَ المَعَانِي، لِأَنَّنَا إِذَا رُمْنَا نَفْيَ الأَسْمَاءِ عَنِ الأَزَلِ القَدِيمِ عَجَزْنَا عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ مِنْ حَيْثُ عَجْزِنَا أَنْ لَا نَعْرِفَ إِلَّا مَا كَانَ مَوْجُوداً ظَاهِراً، وَحَجَبَتْنَا ذُنُوبُنَا أَنْ نَعْرِفَ البَارِي إِلَّا بِوُجُودِهِ، فَأَوْجَدَنَا ذَاتَهُ مِنْ حَيْثُ قُوَّتِنَا وَضَعْفِنَا وَهُوَ -عَزَّ عَزُّهُ- لَا يَقَعُ بِهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ.
فَثَبَتَ بِهَذَا القَوْلِ أَنَّ البَارِي تَعَالَى ظَاهِراً مَوْجُوداً لِلْعِيَانِ كُلٌّ يَرَاهُ بِحَسَبِ الإِمْكَانِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ بِالحَقِيقَةِ وَهِيَ النُّورَانِيَّةُ وَالرُّبُوبِيَّةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ بِالبَشَرِيَّةِ وَالنُّورَانِيَّةِ وَيُنَزِّهُهُ عَمَّا رَأَى مِنَ التَّصْوِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ بِالبَشَرِيَّةِ فَقَطْ وَيُنْكِرُ نُورَانِيَّتَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ مَرْبُوباً وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ رَبَّاً وَيُنْكِرُ وُجُودَهُ مُطْلَقاً، وَذَلِكَ لِتَفَاوُتِ المَنَازِلِ فِي مَعْرِفَتِهِ.
وَقَدْ بَرْهَنَ ذَلِكَ وَأَفْصَحَ عَنْ إِثْبَاتِ الوُجُودِ المُقَدَّسُ المَرْحُومُ الشَّيْخُ مَحْمُودٌ حَسِينٌ بِعَمْرَةَ فِي رِسَالَةِ تُحْفَةِ الأَخْيَارِ بِقَوْلِهِ: وَكَثِيرٌ فِي المَوْجُودَاتِ يُرَى فِي العِيَانِ وَيُلْمَسُ بِحَاسَّةِ اللَّمْسِ وَيُجْهَلُ مَعْرِفَتُهُ لِعَدَمِ سَبْقِ العِلْمِ بِهِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَنْفَسِ النَّفَائِسِ، وَإِذَا سُئِلَ عَنْهُ مَنْ رَآهُ وَلَامَسَهُ فَيُنْكِرُ رُؤْيَتَهُ وَيَجْحَدُ مُلَامَسَتَهُ وَذَلِكَ لِجَهْلِهِ بِهِ وَعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ عِنْدَهُ، وَهَذَا مُطَّرِدٌ عَلَيْهِ القَوْلُ جَمِيعاً وَلَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ، وَتَرَى العَارِفَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ يُجِلُّهُ إِذَا رَآهُ وَيُعَظِّمُهُ لِعِلْمِهِ بِرُتْبَتِهِ، فَهَذَا مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى إِسْمِ الغَيْبَةِ مَعَ المُشَاهَدَةِ، وَالوُجُودِ مَعَ المُبَايَنَة




