وَاعْلَمْ أَنَّ مُرَادَ السَّيِّدِ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الصُّورَةُ تِلْكَ الصُّورَةُ، فَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ جِنْسِ تِلْكَ الصُّورَةِ، لِأَنَّ جِنْسَ المَلَائِكَةِ نُورَانِيِّينَ، وَجِنْسَ البَشَرِ آدَمِيِّينَ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ الأُولَى النُّورَانِيَّةَ هِيَ الصُّورَةُ الآخِرِيَّةُ البَشَرِيَّةُ فِي الحَقِيقَةِ وَالجَوْهَرِ لَا فِي الجِنْسِ وَالمَنْظَرِ فَقَدْ صَدَقَ، وَمَنْ قَالَ: أَنَّ الصُّورَةَ النُّورَانِيَّةَ غَيْرُ الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ فِي الجِنْسِ وَالمَنْظَرِ لَافِي الحَقِيقَةِ وَالجَوْهَرِ فَقَدْ صَدَقَ، لِأَنَّ نَفْسَ شَرْطِ التَّوْحِيدِ أَنَّ المَعْنَى لَا يَحُولُ عَنْ كِيَانِهِ وَإِنْ ظَهَرَ لِعِيَانِهِ، وَلَنَا بِحَمْدِ اللّٰهِ تَعَالَى مِنَ الاِحْتِجَاجَاتِ وَالأَخْبَارِ مَالَوْ أَوْرَدْنَاهُ لَطَالَ بِهِ الكِتَابُ وَاتَّسَعَ بِهِ الخِطَابُ، وَلَكِنْ آثَرْنَا التَّخْفِيفَ وَالإِقْتِصَارَ وَتَرْكَ التَّطْوِيلِ وَالإِكْثَارِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا هَذَا الشَّرْحَ لِيَتَّضِحَ لِذَوِي العُقُولِ أَنَّ أَكْثَرَ الحَثِّ مِنَ المَوَالِي السَّادَاتِ عَلَى مَعْرِفَةِ الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّدْرِيجُ وَالتَّرْتِيبُ، وَلِيَكُونَ التَّوَصُّلُ مِنْ مَعْرِفَةِ الأَدْنَى إِلَى مَعْرِفَةِ الأَعْلَى فَأَيُّ مَنْ وَجَدُوهُ مُقِرّاً بِالصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ إِقْرَاراً صَحِيحاً رَقَوْا بِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ، لِأَنَّ الصُّورَةَ النُّورَانِيَّةَ مَعْرِفَتُهَا ثَابِتَةٌ عِنْدَهُمْ وَلَا يُوصَلُوا لِمَعْرِفَتِهَا إِلَّا مِنْ آمَنَ وَأَقَرَّ بِالصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ إِقْرَاراً صَحِيحاً سَلِيماً مِنْ عِلَلِ الشَّكِّ مُجَرَّداً مِنْ شَوَائِبِ الإِفْكِ، وَأَيُّ مَنْ خَامَرَ قَلْبَهُ مَرَضُ الشَّكِّ فِي مَعْرِفَةِ الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لِمَا سَبَقَ لَهُ مِنَ الشَّكِّ القَدِيمِ الوَاقِعِ مِنْهُ فِي ذَاتِ المُتَجَلِّي




