بِاشْتِهَارِهِ، فَلَمَّا ثَبَتَ الدَّلِيلُ وَأَقَامَ البُرْهَانَ عَلَى أَنَّ البَارِي لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِذَاتِهِ عَلِمْنَا أَنَّ الصُّورَةَ النُّورَانِيَّةَ الَّتِي دَعَاهُمْ بِهَا وَهُمْ أَنْوَارٌ هِيَ الصُّورَةُ البَشَرِيَّةُ الَّتِي دَعَاهُمْ بِهَا وَهُمْ أَبْشَارٌ، وَلَوْ أَنَّ الصُّورَةَ البَشَرِيَّةَ غَيْرُ الصُّورَةِ الأُولَى النُّورَانِيَّةِ المَرْئِيَّةِ لَسَقَطَ عَنْ مُنْكِرِهَا العَذَابُ، وَكَانَ لَهُمْ فِي إِنْكَارِهَا جَزِيلُ الثَّوَابِ، لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا غَيْرَ اللّٰهِ وَجَحَدُوا سِوَاهُ، وَاللّٰهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُعَاقِبَ مَنْ أَنْكَرَ غَيْرَهُ وَجَحَدَ سِوَاهُ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الشَّيْخُ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي هَذَا الفَصْلِ مَا يُشَيِّدُ هَذَا القَوْلَ وَيَنْصُرُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَالعَالَمُ الظِّلِّيُّ لَمَّا أَنْ ظَهَرَ لَهُمْ بِصُورَةِ غَيْرِ الصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ فِي النُّورَانِيَّةِ وَعِظَمِ الَّلَاهُوتِ وَجَلَالَةِ الجَبَرُوتِ وَرَأَوْهُ كَصُوَرِهِمْ وَعَلَى أَمْثَالِهِمْ، وَأَظْهَرَ فِيهِمْ أَنَّهُ يَفْعَلُ أَفْعَالَهُمْ وَيَجْرِي عَلَيْهِ مَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالبَوْلِ وَالغَائِطِ وَالجَنَابَةِ وَالنَّوْمِ وَالتِيِلَادِ وَالتَّوَالُدِ وَالصِّحَّةِ وَالمَرَضِ وَالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ وَالمَوْتِ وَالقَتْلِ، ثُمَّ قَالَ: مَعَ هَذَا كُلِّهِ أَنَا رَبُّكُمُ الأَزَلُ القَدِيمُ، فَقَالُوا: رَبَّنَا عَظِيمٌ كَبِيرٌ وَأَنْتَ ذُو جِسْمٍ بَشَراً لَمْ يَقْبَلْ مِنْكَ ذَلِكَ اللَّطِيفَ إِلَى هَذَا الكَثِيفِ وَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَهُوَ مِثْلُنَا، وَنَرَى فِيهِ مَا يُرَى فِينَا، فَأَظْهَرَ فِيهِمُ القُدْرَةَ الرَّبَّانِيَّةَ وَالأَفْعَالَ المَلَكُوتِيَّةَ، وَأَخْبَرَ وَأَنْبَأَ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، فَلَمَّا بَدَا لَهُمْ ذَلِكَ اِزْدَادُوا كُفْراً وَقَالُوا: هَذَا هُوَ السِّحْرُ وَالكَهَانَةُ، فَكَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ هَذَا إِعَادَةُ الكَرَّاتِ وَإِدَارَةُ الأَدْوَارِ، فَأَوْجَدَ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- أَنَّ هَذَا




