وَهَذَا الرَّجُلُ: فَقَدْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي الجِدَالِ وَالسَّفَهِ، وَتَخَلَّى عَنِ الوَرَعِ وَالفِقْهِ وَنَصَّبَ نَفْسَهُ عَلَمَاً لِجُمْلَةِ الرَّعَاعِ الهَمَجِ، وَهُوَ لَمْ يَعْلَمِ الطَّرِيقَ الأَقْوَمَ مِنَ الإِعْوِجَاجِ، وَلَمْ يَحْصُلْ شَيْئاً مِنَ الفِقْهِ لِيَفْقَهَ فِيهِ مَنْ اِقْتَدَى بِهِ، وَلَمْ يَفْهَمْ طَرِيقاً إِلَى الغَيْبِ الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ مَنْ يَنْتَمِي إِلَيْهِ، وَلَمْ يَرَى فِي رَأْيِهِ إِلَٰهاً مَوْجُوداً وَلَا ظِلّاً مَمْدُوداً وَلَا بَاباً مَقْصُوداً لِيَهْدِيَ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مَنْ أَمَّ بِهِ وَالتَجَأَ إِلَيْهِ، فَلَقَدْ ضَلَّ وَأَضَلَّ وَأُخْسِفَتْ بِهِ السُّبُلُ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ القُفْلُ وَاِنْقَطَعَ عَنْ لَذَاذَةِ الوَصْلِ، وَسَكَنَ بَيْتاً لَا بَابَ لَهُ، وَسَافَرَ فِي لَيْلٍ لَا نُورَ فِيهِ، و ادْعَى رُشْداً لَا هِدَايَةَ مَعَهُ.
وَلَقَدْ جَادَ الفَقِيهُ العَالِمُ النَّبِيهُ الأَمِيرُ حَسَنُ بْنُ مَكْزُونٍ فِيمَا لَفَظَ بِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ بَيَانِ أَقْسَامِ النَّاسِ فِي المَعْرِفَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- : وَلَقَدْ اِنْقَسَمَ النَّاسُ فِي مَعْرِفَةِ اللّٰهِ عَلَى أَقْسَامٍ لَا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ شَرْحُهَا، وَلَكِنْ نَذْكُرُ بَعْضَهَا عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ عَلَى سَبِيلِ الإِشَارَةِ إِلَيْهَا وَالدَّلَالَةِ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ ضِدَّ الحَقِّ فَالشَّيْءُ يُظْهِرُهُ ضِدُّهُ، لِأَنَّ غَرَضَنَا فِي ذِكْرِهَا إِيضَاحُ الحَقِّ فِي بَيَانِ بُطْلَانِهَا، إِذْ لِيُعْرَفَ الحَقُّ مَعْرِفَةً حَقِيقِيَّةً مُجَرَّدَةً مِنَ البَاطِلِ، وَذَلِكَ إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: عَرَفْتُ الحَقَّ بِالعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، فَاقْتَنَعَ مِنَ المَعْرِفَةِ بِعَجْزِهِ دُونَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ وَذَلِكَ سَبِيلُ الحَائِرِينَ.




