فَأَقُولُ: فَأَمَّا هَذَا الشَّاهِدُ الَّذِي هُوَ مِنْ قَوْلِ البَزَّازِ، فَلَا تَقُومُ لَهُ بِهِ حُجَّةٌ وَلَا تَبَانُ لَهُ بِهِ مَحَجَّةٌ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ رَحِمَهُ اللّٰهُ شَائِرٌ فِيهِ إِلَى كَيْفِيَّةِ البَارِي فِي القِدَمِ وَإِنَّهُ كَانَ قَدِيماً قَبْلَ نَشْأَةِ الأَكْوَانِ وَقَبْلَ وُجُودِ الأَنْوَارِ السَّمَاوِيَّةِ وَالعَوَالِمِ البَشَرِيَّةِ وَقَبْلَ أَنْ تَكُونَ سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ وَأَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ، وَقَبْلَ اِخْتِرَاعِ المِيمِ -عَزَّ عَزُّهُ- كَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الأَكْوَارِ النُّورَانِيَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ القَوْلُ عَلَى ذَلِكَ فِي هَذَا الكِتَابِ، وَأَنَّ المَعْنَى تَعَالَى لَمَّا اِخْتَرَعَ السَّيِّدَ المِيمَ وَفَوَّضَ إِلَيْهِ النَّشْأَةَ وَالتَّكْوِينَ فَكَوَّنَ الأَكْوَانَ، وَكَانَ المَعْنَى يُدْعَى أَزَلَ، وَصَارَ الاِسْمُ يَبْدُو فِي ظُهُورِهِ لِلْأَكْوَانِ كَهَيْئَةِ المُهِلِّ، وَالبَابُ كَهَيْئَةِ الشَّمْسِ، فَلَمَّا تَمَّ مُرَادُ الأَزَلِ بِالإِرَادَةِ وَالتَّكْوِينِ أَظْهَرَ المُمَاثَلَةَ كَمَا جَرَى ظُهُورُهُ بِالبَشَرِيَّةِ، فَظَهَرَ بِمَا ظَهَرَ بِهِ الاِسْمُ وَهُوَ المَهَلُ المُقْمِرُ المُبْدِرُ، وَالاِسْمُ ظَهَرَ بِمَا ظَهَرَ بِهِ البَابُ وَهُوَ الشَّمْسَ(1)، وَالبَابُ ظَهَرَ سَمَاءً وَمَاءً، وَظَهَرَتِ العَوَالِمُ بِظُهُورِهِمْ، فَلِهَذَا قَالَ البَزَّازُ: كَانَ لَا شَمْسٌ تَرَى وَلَا قَمَرٌ، يَعْنِي كَانَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ بِالَّذِي أَهَّلَهُ وَأَبْدَرَهُ وَأَقْمَرَهُ وَقَبْلَ اِسْمِهِ وَبَابِهِ وَعَوَالِمِ قُدْسِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا القَوْلِ نَفْياً لِلْوُجُودِ بَلْ إِنَّمَا هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى قِدَمِيَّةِ البَارِي تَعَالَى، وَإِنَّهُ كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ.
فَكَيْفَ يَصُوغُ لِهَذَا الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ: فَإِذَا كَانَ الاِسْمُ قَبْلَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَالمَعْنَى، كَذَلِكَ فَقَدْ قَدَّمَ الاِسْمَ عَلَى المَعْنَى؟




