الْمُسْتَضِيئِينَ بِإِشْرَاقِ النُّورِ الْمُقِرِّينَ بِالْوُجُودِ وَالظُّهُورِ إِلَى عَمَى الْقُلُوبِ بِقَوْلِهِ: وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِي أَعْمَى اللهُ قُلُوبَهُمْ أَنَّهُمْ يَجِدُونَهُ وَيَحُدُّونَهُ وَيُدْرِكُونَ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ، قَاتَلَهُ اللهُ أَشَرَّ الْقِتَالِ عَلَى مَا رَمَانَا فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ الْمُحَالِ، فَلَا وَالَّذِي وَسَّعَ الأَصْوَاتَ سَمْعاً وَأَسْكَنَ الْقُلُوبَ فَهْماً لَيْسَ بِإِقْرَارِنَا وَإِثْبَاتِنَا الْوُجُودَ نَدَّعِي مَعْرِفَةَ الإِدْرَاكِ وَالتَّحْدِيدِ، وَلَا نَعْتَقِدُ أَنَّ لِلْبَارِي ظَاهِراً وَبَاطِناً وَلَا نَجْعَلَهُ نَوْعَيْنِ، بَلْ إِنَّمَا رَأَيُنَا وَاعْتِقَادَنَا الَّذِي جَعَلْنَا عَلَيْهِ مَحْضَ اِعْتِمَادِنَا وَهُوَ دِينُنَا وَدِينُ آبَائِنَا وَأَجْدَادِنَا وَسَادَاتِنَا وَأَسْلَافِنَا: إِنَّ الْبَارِي تَعَالَى نَوْعٌ وَاحِدٌ جُزْءٌ أَصَمُّ لَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يَتَبَعَّضُ، ظَاهِراً كُلَّهُ، بَاطِناً كُلَّهُ، قَادِراً كُلَّهُ، عَالِماً كُلَّهُ سَمِيعاً كُلَّهُ، بَصِيراً كُلَّهُ، لَا نِهَايَةَ لَهُ وَلَا تَحْدِيداً لِوُجُودِهِ، وَلَا يُوصَفُ بِأَيْنٍ وَلَا يُدْرَكُ بِحَيْثٍ، وَأَنَّهُ وَإِنْ أَوْرَانَا صُورَةً نُورَانِيَّةً تُضَاهِي جِنْسَ أَهْلِ النُّورِ، وَصُورَةً بَشَرِيَّةً تُشَاكِلُ جِنْسَ الْبَشَرِ فَلَيْسَتِ الصُّورَةُ النُّورَانِيَّةُ غَيْرُ الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَا الصُّورَةُ الْبَشَرِيَّةُ غَيْرُ الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْجَوْهَرَ، وَإِنَّمَا أَوْجَدَ ذَلِكَ فِي عُيُونِ النَّاظِرِينَ لِيَفْهَمَ كُلُّ جِنْسٍ عَنْ جِنْسِهِ وَيُخَاطِبَ كُلَّ ذِي لُغَةٍ بِلُغَةٍ مِنهُ وَانْصَافاً وَمِنَّةً وَأَلْطَافاً، وَإِنَّ الَّذِي أَوْرَى الصُّورتَيْنِ وَتَرَاءَى فِي الْوُجُودَيْنِ هُوَ الْغَيْبُ الْمَنِيعُ الْبَصِيرُ السَّمِيعُ الَّذِي لَا يُدْرَكُ وَلَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ وَلَا يُعَدُّ وَلَا تُضْرَبُ بِهِ الأَمْثَالُ وَلَا فِيهِ لِلْقَائِلِ مَقَالٌ، وَإِنَّ الْغَيْبَ الْمَنِيعَ هُوَ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ وَجَلَالَهُ وَعَظَمَتَهُ، وَهُوَ يُجِلُّ وَيُعَظِّمُ عَنْ جَمِيعِ الصِّفَاتِ




