فَأَقُولُ: لَوْ أَنَّهُ تَبَصَّرَ مُتَبَصِّرٌ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْمَرْوِيِّ مِنْ رِسَالَةِ الشَّيْخِ عَلِمَ أَنَّهُ قِشْرٌ وَلَه لُبٌّ، وَلَوْ حُمِلَ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ بِهِ نَقْضٌ، لِأَنَّ الْحُرُوفَ مَا سَجَدَتْ إِلَّا بِأَمْرِ مَنْ بَارِيهَا، فَلَمَّا وَقَفَ الْمِقْدَادُ عَنِ الأَمْرِ الأَوَّلِ وَانْتَظَرَ الثَّانِي وَالأَصْوَبُ أَنْ يَكُونَ جَزَاءَ الْمُؤْتَمِرِ الْمُمْتَثِلِ أَوْفَرُ مِنْ جَزَاءِ الْوَاقِفِ عَنِ الأَمْرِ أَمْ تَرَاهُ سَبَقَ سَلْمَانَ الَّذِي هُوَ الْبَابُ الأَعْظَمُ لِلْإِنْقِيَادِ وَالطَّاعَةِ، فَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ وَصَارَ أَوَّلَ الْحُرُوفِ وَالْيَاءَ آخِرَهَا، أَسْتَغْفِرُ اللهَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ رَمْزاً وَإِشَارَةً لِلرَّاشِدِينَ، إِنَّ آخِرُ الْحُرُوفِ عِنْدَ الْغَيْبَةِ صَارَ أَوَّلاً عِنْدَ الظُّهُورِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- : وَكَانَ الأَلِفُ آخِرَهَا فَجَعَلَهُ أَوَّلَهَا وَقَالَ لَهُ: قَدْ جَعَلْتُكَ مُفْرَداً وَجَعَلْتُ الْحُرُوفَ تَنْضَافُ إِلَيْكَ وَأَنْتَ مُفْرَدٌ إِذَا اِبْتَدَأَتْ لَا يَنْضَافُ إِلَيْكَ مِنْهَا حَرْفٌ وَتَكُونُ حَدَّ النِّهَايَةِ لَهَا وَأَنْتَ أَبْداً مُفْرَداً بِذَاتِكَ أَوَّلاً وَآخَراً.
يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَينِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلَدِيِّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- أَنَّهُ قَالَ: رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ لَقِيَ رَجُلاً فَقَالَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا أَخِي؟ قال: مِنَ الْمَشْهَدِ، قال: مَتَى غَابَ حَتَّى شَهِدَ؟ قال: مِنَ الْمِعْرَاجِ، قال: مَتَى هَبَطَ حَتَّى عَرَجَ؟ قال: فَكَيْفَ أَقُولُ يَا أَخِي؟ قال: مِنْ مَوْضِعِ الْغَيْبَةِ وَتَجْدِيدِ الظُّهُورِ.




