إِلَى آخِرِهِ، وَقَوْلُ الْجَزَرِيِّ أَمَامَ الْحَلَبِيِّينَ:
ضِيَاءٌ لَاحَ مِنْ ظِلٍّ وَنَارَا | لِجَمْعِ الْخَلْقِ بِالأَكْوَانِ سَارَا | |
بِمَعْوَجٍّ وَمُمْتَدٍ مُقِيمٍ | مُضِيئاً ثُمَّ مُظْلِمُهَا أَنَارَا | |
إِذَا مَا أحَدُ الْحَرْفَينِ أَضَاءَ | فَأَظْلَمَ صَاحِبَهُ وَدَجَى وَغَارَا |
وَهَذَا الرَّجُلُ يَزْعُمُ بِأَنَّ الْحَرْفَيْنِ الْمَعْوَجَ وَالْمُسْتَقِيمَ هُمَا الْمِقْدَادُ وَأَبُو الذَّرِّ فَالْمُسْتَقِيمُ عِنْدَهُ هُوَ الْمِقْدَادُ، وَالْمَعْوَجُ هُوَ أَبُو الذَّرِّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمِقْدَادُ مُسْتَقِيمٌ لِاسْتِقَامَتِهِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يُفَكِّرْ فِي تَقَدُّمِ الْمَعْوَجِ عَلَى الْمُسْتَقِيمِ وَامْتِحَانِهِ لَهُ فَأَظْلَمَ الْمُسْتَقِيمُ، فَإِذَا كَانَ الْمُسْتَقِيمُ الْمِقْدَادُ، وَالْمَعْوَجُ أَبُو الذَّرِّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَبِي الذَّرِّ عَلَى الْمِقْدَادِ؟ أَمْ كَيْفَ اِمْتِحَانُهُ لَهُ حَتَّى أَظْلَمَ الْمُسْتَقِيمُ؟ فَهَذَا ضِدَّ التَّرْتِيبِ.
ثُمَّ قَالَ: هَذَا التَّقُولُ الْمُحَالُ، وَلَمَّا أَمَرَ الْبَارِي لِلْحُرُوفِ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا إِلَّا الأَلِفَ مَا سَجَدَ وَهُوَ الْيَتِيمُ الأَكْبَرُ، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: لِمَ لَمْ تَسْجُدْ كَمَا سَجَدَتْ سَائِرُ الْحُرُوفِ؟ فقال: يَا مَوْلَايَ، اِنْتَظَرْتُ أَمْرَكَ، لِأَنَّكَ أَنْتَ الآمِرُ وَأَنَا الْمَأْمُورُ، وَأَضَافَ هَاهُنَا حَشْواً تَرَكْنَاهُ لِلْإِخْتِصَارِ، فَقَالَ لَهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي كُنْتَ آخِرَ الْحُرُوفِ جَعَلْتُكَ أَوَّلَهَا، وَجَعَلْتُ الْيَاءَ آخِرَهَا، وَالْيَاءَ سَلْمَانَ.




