النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾(1)، هَذَا مِنْ أَصْدَقِ دَلِيلٍ وَأَعْدَلِ بُرْهَانٍ لِأَهْلِ الْهِدَايَةِ وَالإِيمَانِ يَنْطُقُ بِبُزُوغِ النُّورِ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ نَاراً، فَلِذَلِكَ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِلْمُقَارَبَةِ وَالْمُشَابَهَةِ.
وَالثَّانِي: تَقِيَّةً عَلَى السِّرِّ وَصَوْناً لِلأَمْرِ عَنْ أَهْلِ الْعِنَادِ وَالْكُفْرِ، فَمَثّْلَ النُّورِ بِالنَّارِ لِئَلَّا يَنْقَضَّ الْجِدَارَ فَتَظْهَرَ كُنُوزُ الأَسْرَارِ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
فَلَقَدْ عَجِبْتُ مِمَّنْ يَسْتَجِيزُ التَّجَلِّي كَصِفَةِ النَّارِ وَالشَّجَرِ وَالْبَشَرِ، وَيَمْنَعُ النُّورَ إِذَا النُّورُ أَشْرَفُ وَأَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَعْلَى، فَلَقَدْ حُجِبَ بِالْجِدَارِ وَالْجَبَلِ عَنْ وُجُودِ الْقَدِيمِ الأَزَلِ وَمُشَاهَدَةِ عِلَّةِ الْعِلَلِ، لِأَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ الْبَالِغِينَ يُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْبُقْعَةَ الْمُبَارَكَةَ هِيَ السِّينُ وَهُوَ الْوَادِي الأَيْمَنُ أَيْضاً، وَهُوَ الطُّورُ، وَالشَّجَرَةُ هِيَ الذَّاتُ النُّورِيَّةُ الْمُقَدَّسَةُ السَّنِيَّةُ، وَشَاطِئُ الْوَادِي الأَيْمَنُ هُوَ جَانِبُ الطُّورِ وَفِيهِ كَانَ النِّدَاءُ عِنْدَ التَّجَلِّي بِالطُّفُولِيَّةِ مِنَ الشَّجَرَةِ الذَّاتِيَّةِ.




