وَقَدْ وَرَدَ خَبَرٌ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ يَفْهَمِ التَّعْرِيضَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالتَّصْرِيحِ، وَلَوْلَا التَّعْرِيضُ مَا عُرِفَ التَّصْرِيحُ وَلَا جَهِلَ اللهَ أَحَدٌ وَلَوْلَا التَّصْرِيحُ مَا عُرِفَ التَّعْرِيضُ وَلَا عَرَفَ اللهَ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا عَرَفْتُمُ المَعْنَى فَصَرِّحُوا بِمَا شِئْتُمْ مِنَ اللَّفْظِ.
وَبِالجُمْلَةِ إِنَّمَا مَنَعُوا إِظْهَارَ أَكْثَرِ العُلُومِ وَإِفْشَاءَ أَكْثَرِ الأَسْرَارِ لِاخْتِلَافِ الأَمْزِجَةِ وَالطَّبَائِعِ البَشَرِيَّةِ وَضَعْفِ الاِسْتِعْدَادِ عَنْ قَبُولِ العُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ الوَهْبِيَّةِ وَالأَسْرَارِ الخَفِيَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّسُولُ -عَزَّ عَزُّهُ- : لَا تَطْرَحُوا الجَوَاهِرَ تَحْتَ أَرْجُلِ الخَنَازِيرِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رُبَّمَا أَصَابَ مَنْ كَتَمَ الحَقَّ عَنْ أَهْلِهِ خَشْيَةً مِنْ سَطْوَةِ الغَبِيِّ وَجَهْلِهِ، فَإِبْدَاءُ الحَقِّ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ اِنْتِهَاكٌ لِحُرْمَتِهِ وَتَضْيِيعٌ لِمَصَانِهِ وَإِهَانَةٌ لِمَنْ صَانَهُ، إِذِ الحَقُّ مُسْتَوْدَعٌ عِنْدَ أَحْرَارٍ اسْتِيدَاعَ الإِصَانَةِ، فَإِبْدَاؤُهُ لِغَيْرِ أَهْلِهِ تَفْرِيطٌ وَخِيَانَةٌ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى العَاقِلِ اللَّبِيبِ النُّطْقُ بِالحَقِّ إِذَا صَادَفَ أَهْلَهُ فَلَا يَتَوَهَّمُ الجَاهِلُ لِنَفْسِهِ التَّارِكُ هَذِهِ الأَخْبَارِ المَشْرُوعَةِ وَالشَّرَائِعِ المَتْبُوعَةِ أَنَّهُ بِتَرْكِهَا أَصَابَ الصَّوَابَ وَدَخَلَ بَيْتَ المَعْرِفَةِ مِنَ البَابِ، لَا وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ بَلْ مَا عَرَفَهُ مِنَ الحَقِّ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَا لَهُ.




