وَإِقْرَارِهِ لَهُ ثَانِيَةً عِنْدَ نُمُوِّ النُّورِ إِلَى الكَمَالِ فِي التَّرْتِيبِ النَّظَرِيِّ بَزَغَتْ لَهُ شَمْسُ الحَقِيقَةِ النُّورَانِيَّةِ كَشْفاً، فَقَالَ: هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ تَحْقِيقاً لِمَعْرِفَةِ الثَّالُوث، يَعْنِي تَحْقِيقَ المَعْرِفَةِ بِالرُّتَبِ الثَّلَاثَةِ فَكَتَبَتْ شَهَادَتُهُ تَحْقِيقاً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ: يَعْنِي لَا أُحِبُّ غَيْبَتَكَ عَنِّي، وَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مَحْجُوباً عَنْكَ تَطَلُّعاً وَشَوْقاً لِرُؤْيَتِكَ، لِأَنَّ الإِشَارَةَ فِي نَفْسِ حَقِيقَةِ الأَمْرِ لَا يُمكِنُ أَنْ تَكُونَ إِلَى الغَيْبِ مِنَ المُوَحِّدِ العَارِفِ البَالِغِ.
وَفِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾؛ أَعْظَمُ شَاهِدٍ وَأَوْضَحُ دَلَالَةٍ عَلَى إِعْتِصَامِ إِبْرَاهِيمَ مِنَ التَّوَهُّمِ وَالتَّرَدُّدِ فِي مَعْرِفَةِ مَوْلَاهُ، وَلَا إِخْتِلَافَ فِي رُؤْيَتِهِ فِي المَظَاهِرِ الثَّلَاثِ لِمَنْ فَهِمَ حَقِيقَةَ الإِشَارَةِ.
وَلَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ سِرِّ هَذِهِ الآيَةِ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي الرِّسَالَةِ المِصْرِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَتَبَيَّنَ جُعِلْتُ لَكَ الفِدَا وَلَا أَفْتَنَكَ الرَّبُّ فِي مَعْرِفَتِهِ، أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ صِفَةَ الكَوْكَبِ غَيْرُ صِفَةِ القَمَرِ، وَكَذَلِكَ صِفَةُ القَمَرِ غَيْرُ صِفَةِ الشَّمْسِ، وَإِنَّ أَنْوَارَهُمْ تَزِيد بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ هُوَ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ وَهُوَ مُعَلِّمُ العَالَمِ وَمَبْدِيهُمْ، وَإِنَّ هَذَا الخِطَابَ يَقَعُ مِنْهُ عَلَى المُنَبَّأِ الَّذِي هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ آَزَرَ، وَذَلِكَ تَأْدِيباً لَنَا لِنَسْتَدِلَّ عَلَى مَعْرِفَةِ الرَّبِّ بِالحَقِيقَةِ، وَإِنَّهُ




