فَعِنْدَهَا تَثَاقَلَ الشَّيْخُ نَاصِرٌ بِالقَوْلِ وَاسْتَمَالَ إِلَى كُلِّ جَهُولٍ، وَلَقَدْ وَرَدَ خَبَرُ قِصَّتِهِمْ مِنْ طُرُقَاتٍ شَتَّى عَنْ رِجَالٍ يُوثِقَ بِأَمْثَالِهِمْ وَيُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِهِمْ وَيُعْتَمَدُ عَلَى تَصْدِيقِهِمْ وَيُعْتَقَدُ بِصِدْقِهِمْ، فَتَلَقَّيْتُ ذَلِكَ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ نَقَلُوهُ عَنْهُمْ سَمَاعاً وَقَدْ رَسَمْتُهُ كَمَا سَمِعْتُهُ مِنْهُمْ وَحَفِظْتُهُ عَنْهُمْ نَقْلاً صَحِيحاً مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى الشَّيْخُ نَاصِرٌ نَفْسَهُ قَدْ صَغُرَتْ وَسُفُنُهُ قَدْ رَكَدَتْ وَاسْتَكَنَ رِيحُهُ مَالَ إِلَى المَكْرِ وَالخَدِيعَةِ وَاخْتَلَى مَعَ يُوسُفَ المَلِيحِ لِيَسْتَفِزَّهُ إِلَى الفِعْلِ القَبِيحِ وَقَالَ لَهُ: مَا يَكُونُ الرَّأْيُ وَالعَمَلُ فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ الضَّالِّ المُضِلِّ الَّذِي عَطَّلَ شَرَائِعَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَاتَّبَعَهُ جَمَاعَتُهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَضَلَّهُمْ عَنِ الرُّشْدِ، وَإِنَّهُ كُلَّمَا أَوْرَدْنَا لَهُ جَوَابٌ مِن عِلْمِ الحَقِّ قَابَلَنَا بِضِدِّهِ، وَكُلَّمَا خَاطَبْنَاهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّدْقِ جَاءَنَا بِعَكْسِهِ، فَلَا يَرْجِعُ عَنْ ضَلَالَتِهِ وَلَا يَنْتَهِي عَنْ مَقَالَتِهِ وَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ المَوَاعِظُ، وَلَمْ يَزَلْ مُصِرّاً عَلَى اِعْتِقَادِهِ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ اِعْتَمَادُهُ وَقَدْ كُنْتُ مُجْتَهِداً عَلَى هِدَايَتِهِ وَهِدَايَةِ جَمَاعَتِهِ وَرَدْعِهِمْ عَنْ ضَلَالِهِمْ لِكَيْ أَكْسَبَ ثَوَابَهُمْ، فَمَا أَفَادَ، فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ المَلِيحُ: كَيْفَ الرَّأْيُ عِنْدَكَ يَا شَيْخُ؟ قَالَ الشَّيْخُ نَاصِرٌ: إِنَّ الرَّأْيَ عِنْدِي أَنْ يُحْبَسَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي مَكَانٍ حَتَّى تَلِينَ أَنْفُسُهُمْ وَيَرْجِعُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِقَادِ الفَاسِدِ، فَقَالَ يُوسُفُ المَلِيحُ: لَا يَسُوغُ لَنَا أَنْ نَحْبِسَهُمْ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ فَنَأْخُذَهُمْ بِهَا فَقَالَ




