بِعَدْلِ اللهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ؟ وَمَا أَرَى ذَلِكَ إِلَّا مُجَازَاةً عَنْ أَعْمَالٍ قَدْ سَلَفَتْ، وَقَدْ قَالَ المَوْلَى الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّ اللهَ يُحَاسِبُ العَبْدَ المُؤْمِنَ عَلَى كُلِّ ذَنْبٍ بِمُفْرَدِهِ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذُنُوبِهِ شَدَّدَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ رُوحِهِ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُ، هَذَا فِيمَنْ قَدْ قَرُبَ صَفَاءُهُ.
وَقَوْلُكَ: إِنَّ الحِسَابَ لَا يَكُونُ إِلَّا يَوْمَ القِيَامَةِ، فَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ التَّقْصِيرِ وَأَهْلِ الإِعْتِزَالِ وَظَاهِرِيَّةِ الشِّيعَةِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تُمَكَّنُ إِلَّا يَوْمَ المَعَادِ وَالكَشْفِ، وَأَنْتَ فَقَدْ طَابَقْتَهُمْ بِقَوْلِكَ هَذَا، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مَصِيرَ الأَرْوَاحِ عِنْدَ النَّقْلَةِ إِلَى جُبٍّ تَحْبِسُ فِيهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَإِذَا كَشَفَ اللهُ أَمْرَهُ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ، يَعْنِي تَخْرُجُ الأَجْسَامُ مِنَ القُبُورِ عِنْدَ نَفْخَةِ الصُّوَرِ، وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ فَتَلِجُ فِي الأَجْسَامِ وَيَحْضُرُوا لِلْحِسَابِ جَمِيعاً، فَهُنَاكَ القِصَاصُ وَالمُجَازَاةُ وَاسْتِيفَاءُ الحُقُوقِ، وَلَا بُدَّ لِهَذَا القَوْلِ مِنْ بَاطِنٍ، وَلَكِنَّهُمْ عَمُوا عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَهَؤُلَاءِ الفِرَقُ قَدْ أَنْكَرُوا الُوُجُودَ مُطْلَقاً سَمَاءً وَأَرْضاً، فَلِإِنْكَارِهِمْ ذَلِكَ اِقْتَضَى فِي تَصْحِيحِ مَذَاهِبِهِمْ بِحَسَبِ الرُّجُوعِ إِلَى عَدْلِ اللهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الحِسَابُ إِلَّا مِنْ حَاضِرٍ مَوْجُودٍ مُوَاجِهٍ لِمَنْ يُحَاسِبُهُ وَهُوَ عِنْدَهُمْ الآنَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِلرُّؤْيَةِ وَالمُعَايَنَةِ، فَعِنْدَ ظُهُورِهِ بِالعَدْلِ الشَّامِلِ وَالكَشْفِ الكَامِلِ يَقَعُ الحِسَابُ وَيُجَازِي كُلَّاً بِفِعْلِهِ، وَأَنْتَ قَدْ أَنْكَرْتَ الُوُجُودَ كَهُمْ، فَلِذَلِكَ جَازَ فِي عَقْلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حِسَابٌ وَلَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ إِلَّا فِي




