فَأَقُولُ: أَمَا أَنَّهُ لَوْ تَفَقَّهَ هَذَا المُتَشَبِّهُ فِي قَوْلِهِ هَذَا لَوَجَدَهُ عَلَيْهِ رَدّاً وَازْدَادَ مِنَ الإِنْصَافِ بُعْداً لِكَوْنِهِ يَعْتِبُ عَلَى غَيْرِهِ بِتَرْكِ أَشْيَاءَ وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْهَا وَلَوَازِمَ لَمْ يَلْتَزِمْهَا، فَكَانَ الوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلاً بِفِعْلِ مَا عَتَبَ عَلَى غَيْرِهِ بِتَرْكِهِ كَمَا قِيلَ: كَفَاكَ أَدَباً لِنَفْسِكَ اِجْتِنَابُ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَ.
وَقِيلَ: عِزُّ الشَّرَفِ أَدَبُهُ، وَقَال اللهُ تَعَالَى مُخَاطِباً لِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ تَعْلِيماً لَنَا: يَا عِيسَى عِظْ نَفْسَكَ فَإِنِ اتَّعَظْتَ فَعِظِ النَّاسَ وَإِلَّا فَاسْتَحِ مِنِّي وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِلِ شِعْراً:
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غَيْرَهُ | فَهَلْ لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا تَعْلِيمُ | |
تَصِفُ الدَّوَاءَ تُبْرِي الجُسُومَ مِنَ | الأَذَى كَيْمَا تَصِحَّ بِهَا وَأَنْتَ سَقِيمُ | |
وَأَرَاكَ تُفْلِحُ بِالرَّشَادِ عُقُولَنَا | وَأَنْتَ عَنْ سُبُلِ الرَّشَادِ عَدِيمُ | |
فَازْجُرْ لِنَفْسِكَ وَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا | فَإِذَا فَعَلْتَ بِذَاكَ أَنْتَ حَكِيمُ |
وَقَالَ غَيْرُهُ:
وَمِنْ أَعْجَبِ الأَشْيَاءِ طَبِيبٌ مُصَفَّرٌ | وَأَعْمَشُ كَحَّالٌ وَأَعْمَى مُنَجِّمُ |




