وَأَمَّا الَّذِي يَجُوزُ عِنْدَنَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ تَدْرِيجٍ: فَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ فِي الفَصْلِ الخَامِسِ مِنْ هَذَا الكِتَابِ المَوْسُومِ بِالحَاوِي، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ لِمُؤْمِنٍ يُسْمِعُ تِلْمِيذُهُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ ثُمَّ نَسِيَ الدُّسْتُورَ أَنْ يُسْمِعُهُ مَرَّةً ثَانِيَةً مِنْ وَلَدِهِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي كَانَ تِلْمِيذاً لَهُ وَلَوْ اِضْطَرَّ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ وَالتِّلْمِيذُ بِمَنْزِلَةِ الوَلَدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾(1)، وَلَا يَجُوزُ لِذَلِكَ النَّاسِي أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ عَالِمٍ خَبِيرٍ بَعْدَ شَرْبِ السَّارِّ وَالتَّعْلِيقِ الجَدِيدِ وَالسَّمَاعِ، لَكِنْ بِغَيْرِ تَدْرِيجٍ، لِأَنَّهُ كَانَ مَطْلَعاً فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنْ لَيْسَ فِي اِسْتِدْرَاجِهِ فَائِدَةٌ، وَكَذَلِكَ التِّلْمِيذُ الَّذِي تُوُفِّيَ سَيِّدُهُ مِنْ قَبْلِ نَجْوَاهُ فَلَهُ حُكْمٌ آخَرُ.
فَهَذَا هُوَ رَأْيُنَا وَمِنْهَاجُنَا وَطَرِيقُنَا الَّذِي عَلَيْهِ سَلَكْنَا بِإِجَازَةِ الشُّيُوخِ السَّلَفِ، فَلَا نَسْتَجِيزُ السُّلُوكَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقِهِمْ بَلْ مُقْتَفِينَ ذَلِكَ لَاحِقٌ عَنْ سَابِقٍ كَمَا رَبَّونَا وَأَدَّبُونَا وَعَلَّمُونَا مِمَّا هُوَ مِنْ تَعَالِيمِ المَوَالِي -عَزَّ عَزُّهُمْ- فَتَمَثَّلْنَا بِأَفْعَالِهِمْ وَتَشَبَّهْنَا بِخِصَالِهِمْ اِقْتِدَاءًا بِهِمْ كَمَا قَالَ مَوْلَانَا الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- : تَشَبَّهُوا بِنَا وَلَا تَنْفَرِدُوا عَنَّا.
وَلَهُمُ الفَضْلُ عَلَيْنَا فِيمَا بِهِ عُنِينَا، لِأَنَّ الفَضْلَ لِلْمُبْتَدِي وَلَا يُدْرِكُ فَضْلَهُ المُقْتَدِي، وَالنِّعْمَةُ الَّتِي جَرَتْ عَلَى أَيْدِي السَّابِقِينَ لَا يَبْلُغُ شُكْرَهَا اللَّاحِقُونَ




