المُسْلِمِينَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ البَشَرِيَّةَ المُشَاهَدَةِ كَصُورَةِ الإِنْسَانِ هِيَ حِجَابٌ تَقَعُ عَلَيْهِ الأَبْصَارُ أَظْهَرَهَا لِإِثْبَاتِ الُوُجُودِ وَلِيَسْتَدِلَّ العَبْدُ عَلَى المَعْبُودِ عِنْدَ إِظْهَارِ القُدْرَةِ وَالنُّطْقِ المَسْمُوعِ، فَلَمَّا ظَهَرَتِ القُدْرَةُ الرَّبانِيَّةُ مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ الإِنْسَانِيَّةِ عَلِمْنَا أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ بِخِلَافِ مَا رَأَيْنَاهُ مِنْ تَرْكِيبِ البَشَرِيَّةِ بَلْ حَقِيقَتُهَا الرُّبُوبِيَّةُ، وَإِنَّ القَدِيمَ يُظْهِرُهَا إِيجَاداً لِخَلْقِهِ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ لَيْسَ لَهُ صُورَةٌ وَلَا مِثَالٌ وَلَا شَبَحٌ وَلَا خَيَالٌ وَلَا حَدٌّ تُضْرَبُ بِهِ الأَمْثَالُ وَلَا فِيهِ لِلْقَائِلِ مَقَالٌ، بَلْ مَا أَظْهَرَ مِنَ الصُّوَرِ وَالأَمْثَالِ وَالنُّعُوتِ وَالأَشْكَالِ عَلَامَاتٌ لِوُجُودِهِ لِيَدُلَّ بِهَا عَبِيدَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ، لِأَنَّنَا إِذَا نَفَيْنَا الأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ مِنْ غَيْرِ إِثْبَاتِ مَظْهَرِهَا إِنَّهُ مَوْجُودٌ حَاضِرٌ عَجِزْنَا عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ.
وَمَا يُؤَيِّدُ قَوْلَنَا هَذَا وَيُنَوِّرُهُ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ القَطِيعِيُّ عَنْ شَيْخِهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ أَبِي إِسْحَاقَ الرِّفَاعِيِّ قَالَ: قَالَ لَنَا سَيِّدُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الخَصِيبِيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- وَنَحْنُ بِحَضْرَتِهِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَوْلَادِهِ: كُلٌّ عَبَدَ غَيْباً لَا يَعْرِفُهُ، وَرَبّاً لَا يُثْبِتُهُ إِلَّا نَحْنُ عَبَدْنَا مَنْ سَمِعْنَا كَلَامَهُ وَحَذَّرَنَا مِنْ عِقَابِهِ وَعَذَابِهِ وَأَوْعَدَنَا بِرَحْمَتِهِ ثَوَابِهِ، وَقَالَ لَنَا عَلَى مَنَابِرِ عَظَمَتِهِ: أَنَا، وَلَا يُعْلِنُ بِنُونِ العَظَمَةِ إِلَّا المَعْنَى -جَلَّ وَعَلَا- ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ سُمِّينَا مُوَحِّدَةً لِأَنَّنَا عَبَدْنَا مَنْ رَأَيْنَاهُ وَدَلَّنَا عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَعَرَفْنَاهُ.




