فَأُثْبِتَ بِهَذَا القَوْلِ أَنَّ البَشَرِيَّةَ الَّتِي رَأَيْنَاهَا هِيَ عِلَّةُ النَّاظِرِ، لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ التَّصْوِيرُ بِمُظْهِرِ القُدْرَةِ أَصْلًا وَلَا يَكُونُ مَعْلُولًا لِأَنَّهُ عِلَّةُ العِلَلِ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ العَالِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي كِتَابِ الأُسُوسِ: إِنَّ اللهَ شَاءَ وَأَرَادَ وَقَدَّرَ وَقَضَى فَتَكَلَّمَ وَظَهَرَ لِلْخَلْقِ، فَكَانُوا يَرَوْنَهُ حَقّاً وَيُثْبِتُونَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا رُوحَانِيِّينَ فَأَمْكَنَهُمُ النَّظَرُ بِلُطْفِ ذَوَاتِهِمْ، فَحِينَئِذٍ وَقَعَتِ الصِّفَاتُ وَاحْتِيجَ إِلَى المَعَارِفِ وَنِسْبَةِ الأَمَاكِنِ، قَالَ السَّائِلُ: أَيَظْهَرُ الرَّبُّ مِنَ الشَّجَرِ وَالحَجَرِ وَالمَاءِ كَمَا يَظْهَرُ مِنَ البَشَرِ؟ قَالَ العَالِمُ: يَظْهَرُ الرَّبُّ مِنْ حَيْثُ يَشَاءُ فَإِنَّ القُدْرَةَ وَالإِرَادَةَ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَظْهَرَ كَصُورَةِ الإِنْسَانِ لِأَنَّهَا عَلَى صُورتِهِ، وَلَيْسَتْ صُورَةُ الشَّجَرِ وَالحَجَرِ وَالمَاءِ عَلَى صُورتِهِ، قَالَ السَّائِلُ: فَأَرَادَ أَنْ يُشْبِهَ الخَلْقَ؟ قَالَ العَالِمُ: إِنَّمَا يَقَعُ الشَّبَهُ فِي الأَجْنَاسِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِهِمْ، يَعْنِي لَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِ الخَلْقِ لِيُشَابِهَهُمْ، قَالَ السَّائِلُ: فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَظْهَرُ كَأَنَّهُ خَلَقَهُ أَمْ يَخْلُقُ خَلْقاً يَسْتَتِرُ بِهِ فَيَتَكَلَّمُ مِنْهُ؟ قَالَ العَالِمُ: هَذَا مَالَمْ يَكُنْ أَنْ يُحَوِّلَ نَفْسَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ قَالَ السَّائِلُ: فَكَيْفَ صَارَتْ لَهُ صُورَةٌ؟ قَالَ العَالِمُ: لِحَاجَةِ المَخْلُوقِينَ إِلَيْهَا كَحَاجَتِهِمْ إِلَى الكَلَامِ، لِأَنَّهُ لَا كَلَامَ إِلَّا مِنْ صُورَةٍ، وَلَا مَعْرِفَةَ إِلَّا بِالقُدْرَةِ فَأَتَاهُمْ مِنْ حَيْثُ يَعْرِفُونَهُ، قَالَ العَالِمُ: إِعْلَمْ أَيُّهَا السَّائِلُ إِنَّ الزَّمَانَ كُلَّهُ لِلرَّبِّ فَكَمَا ظَهَرَ فِي أَوَّلِهِ فَكَذَا يَظْهَرُ فِي آخِرِهِ وَكَذَلِكَ فِي أَوْسَطِهِ، فَلَا تَكْذِبَنَّ فِي ظُهُورِهِ وَلَا تَكْذِبَنَّ الأَوْقَاتَ عَلَيْهِ وَلَا تَحِيزُهَا، وَكَمَا عَدَلَ عَلَى أَوَّلِ خَلْقِهِ كَذَا




