ذَهَبَ إِلَى إِتْهَامِ أَخْصَامِهِ فِي نَفْيِ الُوُجُودِ البَشَرِيِّ المُشْرِقِ لِكَوْنِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ بِالصُّورَةِ الأَنْزَعِيَّةِ وَذَلِكَ لِمَا أَنَّهُمْ نَزَّهُوا بَارِيهِمْ عَنِ الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ الحَوَاسِّ وَعَنْ أَنْ تَقَعَ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ التَّصْوِيرِ فِي الأَجْنَاسِ، وَمَا كَانَتْ إِشَارَتُهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا لِيَنْفُوا التَّصْوِيرَ عَنِ المَعْبُودِ بَعْدَ إِثْبَاتِ الُوُجُودِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي فِطَنِ العُقُولِ إِنَّهُ إِذَا كَانَ أَوْرَانَا ذَاتَهُ بِصِفَةٍ تُشَاكِلُ صِفَاتِنَا وَهَيْئَةٍ تُضَاهِي هَيْئَاتِنَا لُطْفاً بِنَا وَإِينَاساً لَنَا لِيُفْهِمَنَا وَيُعْلِمَنَا أَنْ لَا نُثْبِتَ تِلْكَ الصِّفَةَ عَلَيْهِ إِذْ هِيَ صِفَةُ الإِنْسَانِ وَعِلَّةُ المَعْلُولِ، لِأَنَّ الصُّورَةَ الأَنْزَعِيَّةَ وَإِنْ رَأَيْنَاهَا بَشَرِيَّةً فَهِيَ فِي الحَقِيقَةِ نُورَانِيَّةٌ وَإِنَّمَا رَأَيْنَاهَا بَشَرِيَّةً لِعِلَّةِ المِزَاجِ الَّتِي فِينَا كَالنَّاظِرِ فِي المِيَاهِ وَالزُّجَاجِ فَإِنَّهُ يَرَى نَظِيرَ صُورتِهِ، وَالشَّاهِدُ بِذَلِكَ قَوْلُ مَوْلَانَا الرِّضَا -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّ الَّذِي عَايَنْتُمُوهُ بِأَبْصَارِكُمْ إِنَّمَا هُوَ ظَاهِرٌ لَكُمْ بِحَسَبِ مَا أَنْتُمْ، لِأَنَّكُمْ لَا تَفْهَمُوا عَنْ خِلَافِكُمْ.
وَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّ الَّذِي عَايَنْتُمُوهُ بِأَبْصَارِكُمْ هُوَ اللهُ بِإِضَافَتِهِ إِلَى القُدْرَةِ، وَلَيْسَ هُوَ اللهُ بِإِضَافَتِهِ إِلَى الصُّورَةِ، لِأَنَّ مَنْ تِلْكَ صُورَتُهُ عَلَى الحَقِيقَةِ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُظْهِرَ المُعْجِزَ، وَمَنْ أَظْهَرَ المُعْجِزَ فَلَيْسَ تِلْكَ صُورَتُهُ فِي الحَقِيقَةِ بَلْ هِيَ صُورَةُ الإِنْسَانِ العَاجِزِ.




