تُضَاهِي صِفَاتِهِمْ وَهَيْئَةَ تَمَاثُلِ هَيْئَاتِهِمْ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ مِنْهُمْ، فَأَوْجَدَهُمُ القُدُرَ وَالآيَاتِ وَالبَرَاهِينَ وَالدَّلَالَاتِ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ مُبْدِيْهُمْ وَمُبْدِعهُمْ وَمُنْشِيهُمْ وَأَظْهَرَ لِلْعَالَمِ الجِنْسِيِّ البَشَرِيِّ بِهَيْئَةً بَشَرِيَّةً بِأَبٍ وَأُمٍّ وَأَزْوَاجٍ وَأَوْلَادٍ وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ، وَأَظْهَرَ جَمِيعَ مَا يَجْرِي عَلَى البَشَرِ مِنَ العَجْزِ وَالغَلَبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ مِنْهُمْ وَيَجْرِي عَلَيْهِ مَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أَظْهَرَ المَعَاجِزَ وَالبَرَاهِينَ وَالقُدُرَ وَالتَّمْكِينَ وَأَشَارَ إِلَى ذَاتِهِ بِأَنَّهُ هُوَ القَوِيُّ الأَمِينُ وَدَلَّ عَلَيْهِ اِسْمُهُ وَحِجَابُهُ بِالتَّصْرِيحِ وَالتَّبْيِينِ، فَعَرَفَهُ المُؤْمِنُونَ العَارِفُونَ وَأَقَرُّوا بِتَوْحِيدِهِ المُقِرُّونَ الثَّابِتُونَ لَمَا رَأَوْا نُفُوذَ قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ فِي سَمَوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، وَأَنْكَرَهُ الجَاحِدُونَ المُنْكِرُونَ وَشَكَّ بِهِ الشَّاكُّونَ المُلْحِدُونَ وَنَسَبُوا أَفْعَالَهُ وَبَرَاهِينَهُ لِلسِّحْرِ وَالكِهَانَةِ وَالجَهْلِ وَالخِيَانَةِ وَقَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنَ الطَّاعَةِ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى الجَحْدِ وَالإِنْكَارِ، فَعَلِمَ مِنْهُمْ مَا اِعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمْ وَذَهَبَتْ إِلَيْهِ ظُنُونُهُمْ مِنْ مَكْرِهِمُ الَّذِي أَمْكَرُوهُ وَكُفْرِهِمُ الَّذِي أَظْهَرُوهُ، فَلِذَلِكَ أَظْهَرَ لَهُمْ مَا أَظْهَرَهُ مِنَ العَجْزِ وَالفَقْرِ مِمَّا تَقَدَّمَ بِهِ القَوْلُ وَهُوَ يَجِلُّ عَمَّا رَأَوْهُ وَيَعْظُمُ عَمَّا نَظَرُوهُ، فَكَانَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾(1)، فَكَانَ مِنْ مَكْرِهِمْ أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا الطَّاعَةَ لَهُ وَأَخْفَوُا الشَّكَّ فِيهِ، وَكَانَ مِنْ مَكْرِهِ أَنَّهُ أَظْهَرَ نَفْسَهُ عَاجِزًا وَمَغْلُوبًا وَمَقْهُورًا وَمُحْتَاجًا
1سورة ال عمران الاية 54




