عَزُّهُ- وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نَرَى مَوْلَانَا وَنُشَاهِدُهُ بِأَعْيُنِنَا وَنَعْرِفُهُ وَنَعْبُدُهُ حَاضِراً مَوْجُوداً.
فَأَقُولُ: إِنَّ جَمِيعَ مَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا الاِعْتِقَادَ فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الغَيِّ وَالفَسَادِ.
ثُمَّ قَالَ عَنْ قَوْلِ المَوْلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- : أَنَّهُ مَنْ عَبَدَ غَائِباً حَالَ عَلَى عَدَمٍ، وَقَالَ أَيْضاً: مَنْ صِفَةِ الحَكِيمِ أَنْ لَا يَعْبُدَ إِلَّا مَوْجُوداً.
فَالإِشَارَةُ بِذَلِكَ أَنَّ البَارِي تَعَالَى ظَهَرَ لِعِبَادِهِ فِي دَوْرِ آدَمَ هَابِيلَ فَوَجَدْنَاهُ وَعَرَفْنَاهُ وَعَرَّفَ نَفْسَهُ لِعِبَادِهِ بِصُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ فَعَرَفُوهُ بِهَا، وَلَوْلَمْ يَظْهَرْ لِلْعِبَادِ كَجِنْسِهِمْ بِصُورَةٍ تُقَارِبُ صُوَرَهُمْ لَمَا رَأَوْهُ وَكَانَتْ لَهُمُ الحُجَّةُ عَلَيْهِ وَكَانُوا يَقُولُونَ: دُعِينَا لِمَعْرِفَةِ مَوْلَانَا وَلَمْ نَرَاهُ وَلَمْ نُشَاهِدْهُ، فَبِظُهُورِهِ مِثْلَ صُوَرِهِمْ ثَبَتَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ غَابَتْ صُورَةُ هَابِيلَ جَلَّ مَنْ لَايَغِيبُ وَظَهَرَ لَهُمْ بِشِيثَ، ثُمَّ غَابَ شِيثٌ وَظَهَرَ وَهُوَ يُوسُفُ فَوَجَدُوهُ، وَغَابَ يُوسُفُ جَلَّ مَنْ لَايَغِيبُ، وَلَمَّا ظَهَرَ بِيُوشَعَ وَجَدُوهُ وَعَرَفُوهُ بِصُورَةٍ بَعْدَ صُورَةٍ إِلَى ظُهُورِهِ بِالصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ الأَنْزَعِيَّةِ، فَوَجَدُوهُ وَعَرَفُوهُ فِي أَفْعَالِهِ وَمَعَاجِزِهِ وَالقُدَرِ الَّذِي يَعْجَزُ عَنْهَا الخَلْقُ، فَهَذَا أَصْلُ وُجُودِهِ وَظُهُورِهِ لِلْعِبَادِ كَمِثْلِهِمْ، وَهَذَا الوُجُودُ الَّذِي قَالَ فِيهِ المَوْلَى جَعْفَرُ الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- : مِنْ عَبَدَ غَائِباً حَالَ عَلَى عَدَمٍ.




