وَهَذِهِ الأَكْوَانُ السِّتَّةُ المَوْجُودَةُ فِي نَشْأَةِ الآدَمِيِّينَ الَّتِي عَمَّرَتْ أَبْدَانُهُمْ هِيَ غَيْرُ الأَكْوَانِ النُّورَانِيَّةِ الَّتِي عَمَّرَتْ أَبْدَانُ أَهْلِ النُّورِ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ هَذِهِ الأَكْوَانُ الأَرْضِيَّةُ مِثَالًا لِتِلْكَ الأَكْوَانِ النُّورَانِيَّةِ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ شُعْبَةَ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِ الأَصَيْفَرِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ أَجْزَاءَ بَدَنِهِ، يَعْنِي الإِنْسَانِ، مُنَاسِبَةً لِمَا فِي العَالَمِ الأَعْلَى بِحِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لِيَدُلَّ عَلَى لَطِيفِ الصُّنْعِ وَخَفِيِّ الكَوْنِ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ، وَجَعَلَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَرْوَاحٍ طَبِيعِيَّةٍ وَحَيَوَانِيَّةٍ وَنَفْسَانِيَّةٍ، وَقَدْ شَارَكَ بِالطَّبِيعِيَّةِ النَّبَاتَ وَسَائِرَ الكَائِنَاتِ، وَشَارَكَ بِالحَيَوَانِيَّةِ أَنْوَاعَ الحَيَوَانِ، وَشَارَكَ بِالنَّفْسَانِيَّةِ عَالَمَ العَقْلِ وَعَالَمَ الإِنْسَانِ، وَلَهُ نَفْسٌ رَابِعَةٌ انْفَرَدَ بِهَا نَوْعُ الإِنْسَانِ وَهِيَ النَّاطِقَةُ العَاقِلَةُ المُدَبِّرَةُ المُنِيرَةُ المُفَكِّرَةُ المُسْتَمِدَّةُ مِنَ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ الإِلَهِيَّةِ.
وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: أَعْرَفُكُمْ بِنَفْسِهِ أَعْرَفُكُمْ بِرَبِّهِ، أَيْ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ وَتَرَاكِيبَ أَعْضَائِهِ وَأُصُولَ إِنْشَائِهِ وَثَبَتَ عَلَى مَعْرِفَةِ أَشْخَاصِهَا وَنَزَّهَهَا عَنِ الحُلُولِ فِي هَذِهِ الأَجْسَامِ الكَدِرَةِ وَالحُصُولِ فِي هَذَا الجُثْمَانِ الكَثِيفِ فَقَدْ عَرَفَ نَفْسَهُ.




