وَلِهَذِهِ الطَّبَائِعِ المَذْكُورَةِ مِثَالًا أَبْطَنَ مِمَّا ذَكَرْنَا يُعْبَرُ عَنْ لَطَائِفِ قَوَانِينِ الوُجُودِ فِي البَحْرِ المَغْمُودِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ.
وَفِي التَّوْرَاةِ المُقَدَّسَةِ يَقُولُ: إِذَا نُرِيدُ نَخْلُقُ إِنْسَانًا عَلَى أَشْبَاهِنَا وَمِثَالِنَا.
وَلَابُدَّ لِهَذِهِ الطَّبَائِعِ الأَرْبَعِ مِنْ أَضْدَادٍ أَرْبَعٍ قَائِمَةٍ بِالجَسَدِ بِإِزَاءِ الطَّبَائِعِ المَذْكُورَةِ وَهُمُ: الدَّمُ وَالبَلْغَمُ وَالمِرَّتَانِ السَّوْدَاءُ وَالصَّفْرَاءُ اللَّذَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾(1)، فَالمَيْتَةُ: هُوَ الأَوَّلُ، وَالدَّمُ المُنْتِنُ: هُوَ الثَّانِي، وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ: نَعْثَلُ، وَالبَلْغَمُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَقِيلَ المِرَّتَانِ: هُمْ أَزْوَاجُ المِيمِ -عَزَّ عَزُّهُ- .
وَمَتَى نَقَصَ الإِنْسَانُ شَيْئًا مِنْ مَعْرِفَةِ إِحْدَى الطَّبَائِعِ المَحْمُودَةِ وَتَفْرِيطٍ أَوْ جُحُودِ مَعْرِفةِ إِحْدَى الطَّبَائِعِ المَذْمُومةِ سَبِيلًا إِلَى الدُّخُولِ وَالقُوَّةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مِنْ تِلْكَ الأَرْوَاحِ الخَبِيثَةِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ مَعْرِفةِ الأَرْوَاحِ المَحْمُودَةِ، وَكُلَّمَا اسْتَزَادَ مِنْ مَعْرِفةِ الأَرْوَاحِ المَحْمُودَةِ فَيَنْقُصُ عَنْهُ مِنَ الأَرْوَاحِ الخَبِيثَةِ بِقَدْرِهِ إِلَى أَنْ يَسْتَحِقَّ صَفَاءَهُ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ شُعْبَةَ الحَرَّانِيُّ فِي كِتَابِ حُجَّةِ العَارِفِ: وَكُلُّ إِنْسَانٍ فِإِبْلِيسُهُ المِزَاجُ الَّذِي فِيهِ.




