فَلَمْ يَكُنِ الشَّيْخُ يَأْتِي بِهَذَا الوَصْفِ إِلَّا تَنْبِيهًا عَلَى مَعْرِفَةِ الكُوفَةِ العُلْوِيَّةِ وَالمَحَلِّ الأَثِيرِ الَّذِي هُوَ الجَنَّةُ الَّتِي وَعَدَ بِهَا المُتَّقُونَ وَفِيهَا الأَنْبِيَاءُ وَالمُرْسَلُونَ مُخَلَّدُونَ، وَهِيَ أَجَلُّ مَقَامٍ لِأَمِيرِ النَّحْلِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، أَي: لِأَنَّ وُجُودَهُ فِيهَا بِالنُّورِ أَجَلُّ وَأَشْرَفُ مِنْ وُجُودِ البَشَرِ فِي الهَيْئَةِ وَالمَنْظَرِ، وَهِيَ أَجَلُّ مَقَامٍ، وَإِلَيْهَا المُؤْمِنُونَ شَدِيدُونَ الغَرَامِ، أَي كَثِيرُونَ الشَّوْقِ إِلَى حُلُولِهَا وَدُخُولِهَا، وَقَدْ كَشَفَ عَنْ مَضْمُونِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ القَصِيدَةِ بِعَيْنِهَا حَيْثُ قَالَ:
وَكُوفَتُنَا سَلْسَلٌ سَيِّدِي | تَكَافَتْ بِهَا شِيعَةُ الإِعْتِصَامْ |
وَهَذَا الرَّجُلُ المَعْلُولُ يتَمَشْدَقُ وَيَقُولُ: فَمِنْ هَاهُنَا أَيُّهَا الشَّيْخُ البَهِيمُ تِهْتُمْ وَضَلَلْتُمْ، وَعَنْ مَسْلَكِ الحَقِّ حِدْتُمْ، وَفِي بَحْرِ العَمَايَةِ وَالجَهْلِ غُصْتُمْ، فَلَمْ تَعْلَمُوا رَمْزَ الشَّيْخِ وَلَا فَهِمْتُمْ بَاطِنَ إِشَارَتِهِ، وَمَرَّ يَشْنَعُ عَلَيْنَا بِالهَجْوِ وَالذَّمِّ وَالهَزْوِ وَالشَّتْمِ وَعَدَمِ الفِقْهِ وَالعِلْمِ، وَيَنْسِبُنَا لِلسُّلُوكِ فِي أَقْبَحِ المَنَاهِجِ، وَيَزْعُمُ أَنَّنَا مِنْ لَفِيفِ الخَوَارِجِ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي أَيُّ رَمْزٍ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ:
وَكُوفَتُنَا سَلْسَلٌ سَيِّدِي | تَكَافَتْ بِهَا شِيعَةُ الإِعْتِصَامْ |
وَمَا أَرَى هَذَا إِلَّا مَوْضُوحًا غَايَةَ الإِيضَاحِ، وَمَفْصُوحًا غَايَةَ الإِفْصَاحِ، يَفْصَحُ عَنْ هَذَا السَّقْفِ المَرْفُوعِ وَالكَهْفِ المَوْسُوعِ الَّذِي تَكَافَتْ بِهِ أَهْلُ الإِعْتِصَامِ




