كَانَ التَّجَلِّي عِنْدَ ذَلِكَ مُقْبِلًا | فَهَوَى الكَثِيفُ مُخْبِرًا عَنْ حَالِهِ |
مَعْنَاهُ: لَمَّا تَجَلَّى بِكَمَالِ الذَّاتِ لِلْجَبَلِ الَّذِي هُوَ جِسْمُ السَّيِّدِ مُوسَى وَقَدْ سَمَّاهُ القَائِلُ: الكَثِيفُ، وَهُوَ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ العَرَضِ مِنَ الجَوْهَرِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ الجِسْمَ كَثِيفٌ عِنْدَ لَطَافَةِ الرُّوحِ وَكَوْنِ نُورَانِيَّتِهَا، مَعَمَا أَنَّهَا لَا تُدْرَكُ، وَلَيْسَ هُوَ كَكَثَافَةِ الأَشْيَاءِ، بَلْ هُوَ نُورٌ مِنْ نُورِ نُورِ قَدِيمِ الإِسْمِ الَّذِي أَصْلُهُ نُورُ الذَّاتِ.
وَقَوْلُهُ: فَهَوَى: أَي سَقَطَ وَلَمْ يَثْبُتْ لِتَجَلِّي الذَّاتِ لَهُ، بَلْ غَابَ عَنِ الأَعْيُنِ كَمَا تَغِيبُ الكَوَاكِبُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَهِيَ بِحَالِهَا فِي أَمَاكِنِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، فَكَذَلِكَ النُّورُ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الإِسْمِ لَمَّا تَجَلَّى لَهُ نُورُ الذَّاتِ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ ضِيَاءً مِنْهُ أَغْشَاهُ إِفْرَاطُ النُّورِ وَغَلَبَ عَلَيْهِ فَخَفِيَ تَحْتَهُ فَلَا يُرَى وَهُوَ بَاقٍ بِحَالِهِ، فَلِذَا يُقَالُ: أَنَّهُ تَدَكْدَكَ وَتَلَاشَى وَسَقَطَ وَصَعِقَ.
وَمَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا القَوْلِ وَيَنْصُرُهُ وَيَزِيدُهُ بُرْهَانًا وَيُجَوْهِرُهُ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعْبَةَ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي رِسَالَةِ مُوضِحَةِ حَقَائِقِ الأَسْرَارِ بِرِوَايَتِهِ عَنِ السَّيِّدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- حَيْثُ قَالَ: إِنَّ المَعْنَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُشَرِّفَ إِسْمَهُ بِالظُّهُورِ كَمِثْلِ صُورَتِهِ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ غَيَّبَهُ تَحْتَ تَلَالِي نُورِ ذَاتِهِ وَظَهَرَ كَمِثْلِ صُورَتِهِ.




