وَمَعْنَى قَوْلُنَا كَانَ اتِّصَالًا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ: لَيْسَ اتِّصَالًا اخْتِلَاطًا رَتْقًا بَلْ بَقِيَ القَدِيمُ مَغْشِيًّا تَحْتَ الأَنْوَارِ كَمَا كَانَ قَبْلَ ظُهُورِهِ لِلْعِيَانِ وَاتِّصَالِهِ بِالنُّورِ المَفْعُولِ عَنْ نُورِ نُورِهِ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِنَا جَعَلَهُ دَكًّا وَلَمْ يَثْبُتْ فَبَرِئَ: دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ جِسْمَ السَّيِّدِ مُوسَى مُحْدَثٌ، خَلَقَهُ القَدِيمُ مِنْ نُورِ نُورِهِ وَجَعَلَهُ مَكَانًا لِظُهُورِهِ وَإِذَا أَرَادَ العَارِفُ الإِشَارَةَ إِلَى رُوحِ المِيمِ وَالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ فَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ ظَاهِرًا بِالنَّوْعِ المُحْدَثِ المَخْلُوقِ مِنْ نُورِ نُورِهِ.
وَلَقَدْ أَجَادَ الفَقِيهُ النَّبِيهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِفَّانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ المُصْطَلِقِ النُّعْمَانِيُّ بِقَوْلِهِ حَيْثُ قَالَ فِي شِعْرِهِ:
جَبَلُ الكَلِيمِ مِنَ الكَلِيمِ وَإِنَّمَا | وَارَاهُ مِنْهُ مَا بَدَا بِمِثَالِهِ | |
كَانَ التَّجَلِّي عِنْدَ ذَلِكَ مُقْبِلًا | فَهَوَى الكَثِيفُ مُخْبِرًا عَنْ حَالِهِ |
وَقَدْ أَوْضَحَ مَعْنَى الإِشَارَةِ فِي ذَلِكَ الشَّيْخُ صَالِحٌ الدَّيْلَمِيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- حَيْثُ قَالَ: أَمَّا قَوْلُهُ جَبَلُ الكَلِيمِ مِنَ الكَلِيمِ: أَرَادَ بِالجَبَلِ أَنَّ جِسْمَ السَّيِّدِ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- وَالكَلِيمُ: أَرَادَ بِهِ بَاطِنَهُ، وَهُوَ الرُّوحُ الَّتِي اخْتَرَعَهَا المَعْنَى تَعَالَى مِنْ نُورِ ذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ تَجَزٍّ وَلَا تَبْعِيضٍ، وَهِيَ النَّاطِقَةُ مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ المُوسَوِيَّةِ عَلَى مَا تَنْتَظِرُهُ الأَعْيُنُ، وَقَدْ أَبَانَ عَنْ ذَلِكَ فِي البَيْتِ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ:




