مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

غنيمة السفر وبلوغ الوطر - الشيخ حسين الأحمد

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 66 من 283

فَأَقُولُ: فَأَمَّا نَحْنُ فَبِحَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ إِسْحَاقَ وَأَتْبَاعِهِ بَرِيئُونَ وَعَلَى نَهْجِ شُيُوخِ الحَقِيقَةِ سَارِينَ، وَلِأَثَرِ الشَّيْخِ الثِّقَةِ وَالشَّابِّ الثِّقَةِ مُقْتَفُونَ، وَتَابِعِينَ سُبُلَ السَّادَةِ السَّلَفِ المَاضِينَ، لَا نَاكِبِينَ وَلَا نَاكِثِينَ وَلَا مُخَالِفِينَ وَلَا مُبَدِّلِينَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَلَا فِي خِلَافِهَا مِنْ سَائِرِ القَوَانِينِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾(1).

وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ سَرَائِرِ هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَأَوْضَحَ مَعَانِيهَا وَأَعْرَبَهَا عَيْنُ قِلَادَةِ الزَّمَانِ وَفَقِيهُ العَصْرِ وَالأَوَانِ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ جَمَّلَ اللَّهُ بِهِ الزَّمَانَ وَنَفَعَ بِعِلْمِهِ أَهْلَ الإِيمَانِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي رِسَالَتِهِ الَّتِي أَوْدَعَهَا مَحْضَ مَقَالَتِهِ حَيْثُ قَالَ: فَالجَبَلُ هُوَ جِسْمُ السَّيِّدِ مُوسَى، وَالصُّورَةُ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا فِي البَشَرِيَّةِ جَعَلَهَا دَكًّا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِنُورِ اللَّاهُوتِ لَمَّا تَجَلَّى لَهُ، فَصَارَ الجِسْمُ دَكًّا وَلَمْ يَثْبُتْ فَبَرِئَ، وَقَامَ مُوسَى بِالنُّورَانِيَّةِ دُونَ الجِسْمَانِيَّةِ نُورًا مُجَرَّدًا مِنْ هَيْكَلِهِ.

وَقَدْ أَعْرَبَ هَذَا القَوْلَ الشَّيْخُ أَبُو الخَيْرِ سَلَامَةُ بْنُ أَحْمَدَ المَعْرُوفُ بِالحَدَّأِ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- بِقَوْلِهِ: إِنَّ الجَبَلَ هُوَ جِسْمُ السَّيِّدِ مُوسَى وَهُوَ الصُّورَةُ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا فِي البَشَرِيَّةِ، وَقَوْلُهُ جَعَلَهُ دَكًّا: أَي لَمْ يَثْبُتْ جِسْمُهُ لِنُورِ اللَّاهُوتِ، فَلَمَّا تَجَلَّى لَهُ صَارَ الجِسْمُ المَخْلُوقُ مِنْ نُورِ نُورِ الإِسْمِ دَكًّا وَلَمْ يَثْبُتْ فَبَرِئَ، وَقَامَ مُوسَى بِالنُّورَانِيَّةِ دُونَ الجِسْمَانِيَّةِ وَبَقِيَ نُورًا مُجَرَّدًا مِنْ هَيْكَلِهِ وَذَلِكَ عِنْدَ تَشْرِيفِ مَوْلَاهُ لَهُ وَظُهُورِهِ كَمِثْلِ صُورَتِهِ وَإِعَادَةِ الإِسْمِ إِلَى تَحْتِ تَلَالِي نُورِ ذَاتِ بَارِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِنُورِ الذَّاتِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا بَدَا، وَالَّذِي لَمْ يَثْبُتْ فَبَرِئَ هُوَ جِسْمُ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ وَصِفَتُهُ الآدَمِيَّةُ الَّتِي لَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْهَا وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَا عِنْدَ الظُّهُورِ وَالمُشَاهَدَةِ.

فَقَوْلُنَا هُوَ جِسْمُ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ وَصِفَتُهُ الآدَمِيَّةُ لَيْسَ بِمَعْنَى أَنَّهُ جِسْمٌ كَالأَجْسَامِ الآدَمِيَّةِ، وَأَمَّا بِانْتِسَابِ المُحْدَثِ إِلَى القَدِيمِ فَيُسَمَّى المُحْدَثُ جِسْمًا لِأَنَّ قَدِيمَهُ لَا يُفَارِقُ نُورَ الذَّاتِ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ وَلَا يُرَى وَلَا يُنْطَقُ إِلَّا مِنَ النَّوْعِ المُحْدَثِ أَعْنِي الهَيْكَلَ.

فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ وَلَا يُشَاهَدُ إِلَّا بِنَوْعِهِ المُحْدَثِ، لِأَنَّ مُحْدَثَهُ مُتَّحِدٌ بِهِ مُذْ كَوْنِهِ، وَإِنَّهُ لَمَّا قَامَ السَّيِّدُ مُوسَى بِالنُّورَانِيَّةِ كَانَ اتِّصَالًا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ بِالمَعْنَى، أَي رَجَعَ إِلَى مَعْدِنِهِ وَمَا مِنْهُ بَدَا، يَعْنِي حَجَبَهُ المَوْلَى تَحْتَ تَلَالِي نُورِ ذَاتِهِ.

الهوامش

1سورة الأعراف الاية 143
الصفحة 66 من 283