السَّلَامُ- وَالحِيتَانَ وَدَوَابَّهُ الَّتِي تَرْعَى فِيهِ هُمْ: هَؤُلَاءِ الكَوَاكِبُ المَرْئِيَّةُ وَالأَجْرَامُ العُلْوِيَّةُ.
فَأَقُولُ: لَقَدْ صَدَقَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بِمَا تَفَوَّهَ بِهِ وَهُوَ الوَجْهُ الحَقِيقِيُّ العَارِي مِنَ الإِكْثَارِ.
ثُمَّ قَالَ هَذَا الرَّجُلُ: فكَيْفَ تَجْسُرُ وَيْحَكَ وَتَزْعُمُ أَنَّ هَذِهِ السَّمَاءَ هِيَ البَابُ الأَعْظَمُ وَجَمِيعُ أَهْلِ المَرَاتِبِ وَمَنْ صَفَا مِنْ عَالَمِ المِزَاجِ فَوْقَهُ وَهُوَ مَنْ تَحْتَهُمْ كَالبِسَاطِ.
فَأَقُولُ: كَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ السَّمَاءَ جَمَادٌ تُلْمَسُ بِالأَيْدِي أَوْ تُوطَأُ بِالأَرْجُلِ وَلَا حَرَكَةَ فِيهَا وَلَا حِسَّ، أَوْ هَذِهِ الكَوَاكِبَ كَذَلِكَ جَمَادٌ حَتَّى يَهُمَّ الشَّيْخَ عَبْدَ اللَّهِ أَنَّهُ يَقُولُ أَنَّهُمْ فَوْقَ السَّمَاءِ وَهِيَ مَنْ تَحْتَهُمْ كَالبِسَاطِ، وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾(1)، أَي: نُورٌ.
فَكَيْفَ يُلْمَسُ النُّورُ أَوْ يُحَسُّ وَلَيْسَ هُوَ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ، لِأَنَّ النَّارَ الكَائِنَةَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَا تُلْمَسُ لِبَسَاطَتِهَا وَعَدَمِ تَرْكِيبِهَا إِلَّا أَنْ تَثْبُتَ فِي جِسْمٍ لِلإِحْرَاقِ، فَضْلًا عَنِ النُّورِ الَّذِي هُوَ أَشْفَى وَأَصْفَى وَأَلْطَفُ، وَالنَّارُ إِذَا لَمْ تَجِدْ جِسْمًا تَتَعَلَّقُ بِهِ فَتَتَعَلَّقُ فِي جِسْمِ الهَوَاءِ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ وَلَا تُرَى إِلَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِجِسْمٍ كَثِيفٍ، وَكَذَلِكَ الهَوَاءُ لَا يُلْمَسُ وَلَا يُحَسُّ وَلَا يُرَى إِلَّا أَنْ يُصَادِمَ جِسْمًا كَثِيفًا، وَكُلُّ مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ كَثَافَةٌ فَهُوَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهَذِهِ الكَوَاكِبُ السَّمَاوِيَّةُ فَهِيَ أَنْوَارٌ مُضِيئَةٌ وَجَوَاهِرُ عَقْلِيَّةٌ حَسَّاسَةٌ دَرَّاكَةٌ شَفَّافَةٌ يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، لَا يَلْحَقُهَا فُتُورٌ وَلَا يَشُوبُهَا غَيْرٌ وَلَا اخْتِلَالٌ وَلَا اِضْمِحْلَالٌ، تَتَّقِدُ بِنُورِ الرَّحْمَنِ وَتُضِيءُ بِمَصَابِيحِ الإِيمَانِ تَرَى إِلَى وَرَاءٍ كَمَا تَرَى إِلَى قُدَّامٍ، وَكَذَلِكَ فَوْقٍ وَتَحْتٍ وَيَمِينٍ وَشِمَالٍ، تَرَى فِي المَشْرِقِ وَتَرَى فِي المَغْرِبِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ القَوْلُ فِي شَرْحِ الصِّفَاتِ بِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهَا الإِرَادَاتِ وَالبُلُوغَ فِي أَسْبَابِ السَّمَوَاتِ إِلَّا أَنْ تَخْلُقَ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ.
وَهَذَا النَّصُّ وَاقِعٌ فِي كَيْفِيَّةِ أَهْلِ المَرَاتِبِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ أَفْلَاطُونُ الحَكِيمُ: فَالنَّازِلُونَ عَلَى مَصَبِّ مَاءِ الفُرَاتِ قَدْ جَازُوا الأَجْسَامَ الكَثِيفَةَ إِلَى النَّوْعِ البَسِيطِ بِحَرَكَةِ الأَنْوَارِ العَالِيَةِ.
وَالنَّوْعُ البَسِيطُ هُوَ مَا كَانَ مِنْ طَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ عَارِيًا مِنَ التَّرَاكِيبِ، فَإِذَا كَانَتْ أَهْلُ المَرَاتِبِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فَمَا ظَنُّكَ بِالبَابِ الكَرِيمِ الَّذِي هُوَ البَحْرُ العَمِيمُ المُحِيطُ بِالأَفْلَاكِ ضِيَاءً وَفَيْضًا وَسَنَاءً، أَمْ كَيْفَ يَكُونُ مَنْ تَحْتَهُمْ وَهُمْ مِنْ فَوْقِهِ!!




