ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الفَائِدَةُ بِذِكْرِهَا، فَلِذَلِكَ لِيَسْهُلَ عَلَى كُلِّ طَالِبٍ مِنْ رِجَالِ هَذَا العِلْمِ طَرِيقَةً، وَيَصِلَ بِهَا إِلَى بُغْيَتِهِ، وَيُدْرِكَ بِهَا حَقِيقَتَهُ، لِأَنَّ الشَّيْءَ المَنْظُورَ إِذَا عُبَّرَ عَنْهُ بِصُورَةٍ نَاطِقَةٍ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى العِيَانِ وَالفَهْمِ مِنْ إِخْبَارِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ فَلِذَلِكَ جَعَلُوا لِكُلِّ شَيْءٍ صُورَةً تَعْبُرُ عَنْهُ، وَهَكَذَا فِي كُلِّيَّاتِ مَا يُعْلَمُ وَجُزْئِيَّاتِ مَا يُرَى، وَإِنَّهُ مَتَى أَشَارَ المُشِيرُ إِلَى مَعْنًى وَهْمِيٍّ أَوْ حَدَثَنِي بِكَلَامٍ لَفْظِيٍّ عَقْلِيٍّ أَوْ جِسْمِيٍّ فِي غَيْرِ صُورَةٍ فَإِنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ حَتَّى يُتَصَوَّرَ وَيَجْرِي فِي التَّصْدِيقِ وَتُكَيِّفُهُ الحُدُودُ وَتَمَّ هَيْئَتُهُ فِي الذِّهْنِ، فَهُنَاكَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِنَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ.
وَمِثْلُ هَذِهِ الصُّوَرِ الحِسِّيَّةِ وَالآلَاتِ البَدَنِيَّةِ مَعَ الصُّوَرِ الكُلِّيَّةِ وَالمَظَاهِرِ العَقْلِيَّةِ كَمِثْلِ الأَعْرَاضِ مَعَ الجَوَاهِرِ، وَالمَحْسُوسِ مَعَ المَعْقُولِ، وَهِيَ طَرَائِقُ تُعَبِّرُ عَنْ حَقَائِقَ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَسَنُ بْنُ حَمْزَةَ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِ التَّنْبِيهِ يَرْوِيهِ عَنْ بَعْضِ الحُكَمَاءِ الإِلَهِيِّينَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الحِسِّيَّاتِ مَعَابِرُ إِلَى العَقْلِيَّاتِ، وَإِنَّ عَالَمَ الشَّهَادَةِ مِثَالٌ لِعَالَمِ الغَيْبِ، فَكُلُّ مَا فِي عَالَمِ المَلَكُوتِ هُوَ غَائِبٌ عَنَّا فَلَا نَفْهَمُهُ وَلَا نَصِلُ إِلَى عِلْمِهِ إِلَّا بِمِثَالِهِ فِي عَالَمِنَا الَّذِي نُشَاهِدُهُ وَنَعْقِلُهُ، فَنَعْلَمُ حِينَئِذٍ مَعَانِي مَا غَابَ عَنَّا حَضَرَ لُطْفًا مِنَ البَارِي جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كُنَّا نَفْهَمُ تِلْكَ الأَسْرَارَ وَلَمْ نَعْقِلْ تِلْكَ الأَنْوَارَ.




