الشَّخْصِ مِنْ كُفْرٍ بِهِ أَمْ جُحُودٍ لَهُ – أَعُوذُ بِاللَّهِ – وَإِنَّمَا نَقْصُ مَعْرِفَةٍ، أَقَالَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ العَالَمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : أَعْرَفُكُمْ بِنَفْسِهِ أَعْرَفُكُمْ بِرَبِّهِ، وَأَجْهَلُكُمْ بِنَفْسِهِ أَجْهَلُكُمْ بِرَبِّهِ.
وَالقَوْلُ فِي ذَلِكَ هُوَ عَلَى صُورَةِ التَّوْحِيدِ، لِأَنَّ رِجَالَهُ أَسَّسُوا بِنْيَانَهُمْ عَلَى مَعْرِفَةِ الصُّورَةِ، فَجَعَلُوا لِلصَّلَاةِ صُورَةً، وَلِلصَّوْمِ صُورَةً، وَلِلزَّكَاةِ صُورَةً، وَلِلْحَجِّ صُورَةً، وَلِلْجَنَّةِ صُورَةً، وَلِلنَّارِ صُورَةً، وَلِلْكَعْبَةِ صُورَةً وَلِلْبَيْتِ صُورَةً، وَلِلنَّفْسِ صُورَةً، وَلِلْجَوْهَرِ صُورَةً، وَلِلْعَنَاصِرِ صُورَةً، وَمَا لَمْ يُرَ بِصُورَةٍ لَمْ يَحْكُمُوا بِإِثْبَاتِهِ، وَمَمْنُوعٌ التَّكَلُّمُ فِيهِ، وَلَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ جَلَالُ الدِّينِ بْنُ مِعْمَارٍ الصُّوفِيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِ تَقْوِيمِ الأَسْمَاءِ فِي مَعْرِفَةِ أَشْخَاصِ مَا فِي الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ مَا هَذِهِ الأَسْمَاءِ وَمَا خَاصِّيَّتُهَا وَمَا الفَائِدَةُ بِذِكْرِهَا؟
قُلْنَا لَهُ: هِيَ مِن الصُّورَةِ الكُلِّيَّةِ بِمَثَابَةِ القُوَى مِنَ الأَعْضَاءِ وَالجَوَارِحِ المُتَحَرِّكَةِ الفَاعِلَةِ فِي الصُّورَةِ الجُزْئِيَّةِ، وَأَمَّا خَاصِّيَّتُهَا فَإِنَّ كُلَّ صُورَةٍ حَافِظَةٌ نِظَامَ جِنْسٍ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، وَالمَخْلُوقَاتُ صُورَةٌ لِتِلْكَ الصُّورَةِ النَّاطِقَةِ عَنْهُ المُخْبِرَةِ بِهِ، وَهِيَ مَدَدُ ذَلِكَ المَخْلُوقِ، فَأَبَانَ بِهَذَا أَنَّ جَمِيعَ الصُّوَرِ الحِسِّيَّةِ المَوْجُودَةِ فِي العِيَانِ المُشَاهَدَةِ فِي الزَّمَانِ صُوَرٌ لِتِلْكَ الصُّورَةِ العَقْلِيَّةِ.




