هَذِهِ الأَبَاطِيلُ الَّتِي نَمَّقَهَا وَالأَكَاذِيبُ الَّتِي لَفَّقَهَا مَا قَطُّ جَرَتْ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنْ كَامِلِ عُلَمَاءِ الفِرْقَةِ الخَصِيبِيَّةِ، وَلَا سَمِعْنَا وَلَا نُقِلَ إِلَيْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَسْلَافِنَا تَفَوَّهَ بِهَذِهِ المَقَالَةِ الرَّدِيَّةِ، فَكَيْفَ تَقُولُ: أَنَّ الحَوَاسَّ الخَمْسَ الإِنْسَانِيَّةَ اللَّوَاتِي هُنَّ السَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ هُمُ القَمَرُ وَالشَّمْسُ وَالسَّمَاءُ وَالنَّجْمُ وَالفَلَكُ وَهُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ الدَّاعِي إِلَى نَارِ السَّعِيرِ. وَلَكِنَّ هَذَا الرَّجُلَ الخَتَّارَ قَدْ صَرَفَ كَامِلَ هِمَّتِهِ وَعَزِيمَتِهِ إِلَى الفِشَارِ وَأَسْنَدَهُ إِلَيْنَا مِعْيَارٌ، عَافَانَا اللَّهُ مِنْ هَذَا القَرَارِ المَعْلُولِ.
بَلْ هَذَا القَوْلُ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الحُلُولِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ فِي الإِنْسَانِ خَمْسَ نَوْبَهَارَاتٍ وَهِيَ السَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالحِسُّ وَالحَرَكَةُ، وَهُمُ المَعْنَى، وَعِنْدَهُمْ أَيْضًا أَنَّ النَّفْسَ القُدُسِيَّةَ تَحُلُّ فِي أَجْسَامِهِمْ وَتَنْطِقُ مِنْ صِفَاتِهِمْ، وَحُلُولُهَا فِي المَخْلُوقِ هُوَ نُطْقُ الإِمَامِ عَلَيْهِ، فَوَقْتَئِذٍ يَكُونُ النَّاطِقُ هُوَ المَعْنَى، وَالمُلْقَى إِلَيْهِ النُّطْقُ هُوَ الإِسْمُ، وَمَا دُونَهُ هُوَ البَابُ.
وَإِنَّ العَالَمَ العُلْوِيَّ مُتَشَخِّصُونَ فِي عُلَمَائِهِمْ، وَالعَالَمَ الأَصْغَرَ هُوَ فِيمَنْ صَغُرَ مِنْهُمْ فِي العِلْمِ، وَهَذِهِ المَقَالَةُ فَقَدْ تَفَوَّهَ بِهَا سِرَاجُ الدِّينِ العُشْرِيُّ الحُلُولِيُّ وَإِنَّهُ ارْتَكَنَ إِلَى بَعْضِ قَدَادِيسَ مِنْ كِتَابِ الثَّامِنَةِ يَقُولُ فِيهَا: تَقَدَّسْتَ يَا نُورَ الأَنْوَارِ وَسِرَّ الأَسْرَارِ، أَنْتَ الرُّوحُ فِي الإِنْسَانِ وَأَنْتَ الحِسُّ فِي الحَيَوَانِ، وَاتَّبَعَهُ




