وَحْدَانِيَّةً أَبَدًا، وَأَيَّامُهُ خَمْسَةً أَبَدًا، وَنُقَبَاؤُهُ اِثْنَيْ عَشَرَ أَبَدًا، وَنُجَبَاؤُهُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ أَبَدًا، وَنَشْهَدُ بِفَضَائِلِ المُخْتَصِّينَ وَالمُخْلِصِينَ وَالمُمْتَحَنِينَ ثُمَّ الخَمِيسِ الأَكْبَرِ وَالعَالَمِ الأَنْوَرِ وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنَ العَالَمِ الأَصْغَرِ.
وَعِنْدَنَا وَعَلَى مَذْهَبِنَا: إِنَّ كُلَّ مَنْ هَؤُلَاءِ العَوَالِمِ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَمَكَانٌ مَوْسُومٌ وَمَحَلٌّ مَرْسُومٌ فِي دَرَجِ المَلَكُوتِ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّنَا نَحْمَدُ مَنْ حَمِدَهُ الشَّيْخُ الخَصِيبِيُّ صَاحِبُ الرَّأْيِ المُصِيبِ، وَنَذُمُّ مَنْ ذَمَّهُ، وَنَقْتَفِي أَثَرَهُ فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ مِنَ الخِصَالِ الحَمِيدَةِ وَالأَقْوَالِ السَّدِيدَةِ وَالآرَاءِ الرَّشِيدَة.
ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى مَا تَفَوَّهَ بِهِ هَذَا الوَقِيذُ القَلْبِ الحَرِجُ الصَّدْرِ حَيْثُ قَالَ: وَاعْلَمْ وَيْحَكَ إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -عَزَّ عَزُّهُ- هُوَ إِسْمُ اللَّهِ وَحِجَابُهُ، وَالقَدَحُ اللَّبَنُ هُوَ الْقَمَرُ(1) وَهُوَ المَعْنَى، فَلِمَ قَالَ السَّيِّدُ الرَّسُولُ: فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ وَشَرِبْتُهُ وَمَا أَبْقَيْتُ فِيهِ إِلَّا قَلِيلًا؟ أَفَيَكُونُ السَّيِّدُ الرَّسُولُ قَدْ أَقَرَّ فِي بَعْضِ مَعْنَوِيَّتِهِ، وَأَنْكَرَ البَعْضَ، أَوْ يَكُونُ مَا بَلَغَ الإِقْرَارَ الكُلِّيَّ، فَيَكُونُ فِي إِقْرَارِهِ نَقْصٌ وَاهْتِضَامٌ.
فَأَقُولُ: فَإِنِّي مُسْتَعِيذٌ بِعِنَايَةِ ذِي الإِكْرَامِ وَالجَلَالِ مِنْ فِرْيَةِ هَذَا المُفْتَرِي المِحَالِ، فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ تَبَيَّنَ لَهُ أَنْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَزَّ عَزُّهُ- قَدْ أَقَرَّ بِبَعْضِ مَعْنَوِيَّتِهِ وَأَنْكَرَ البَعْضَ حَتَّى يَقِيسَ هَذَا القِيَاسَ وَيَتَكَلَّمَ بِهَذَا الكَلَامِ المَهُولِ الَّذِي لَا يَقُولُهُ إِلَّا كُلُّ فَاسِقٍ جَهُولٍ.
ثُمَّ أَنَّى بِقَوْلِهِ أَوَيَكُونُ الرَّسُولُ مَا بَلَغَ الإِقْرَارَ الكُلِّيَّ، فَيَكُونُ فِي إِقْرَارِهِ نَقْصٌ وَاهْتِضَامٌ، قَاتَلَهُ اللَّهُ عَلَى هَذَا المَرَامِ، وَجَلَّ شَأْنُ السَّيِّدِ المِيمِ وَتَعَاظَمَ عَنِ النَّقْصِ وَالإِهْتِضَامِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُحِيطُ بِالغَايَةِ الكُلِّيَّةِ عِلْمًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ المَوْلَى الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّمَا خَرَجَ لَكُمْ مِنْ عِلْمِنَا مِقْدَارُ شَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي بَقَرَةٍ سَوْدَاءَ، وَإِنَّمَا عِلْمُنَا فِي جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ كَطَيْرٍ أَخَذَ بِمِنْقَارِهِ مِنْ بَحْرٍ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَنْزِلَةِ المِيمِ مِنْ مَوْلَاهُ العَيْنِ، فَإِذَا كَانَ السَّيِّدُ المِيمُ لَمْ يُدْرِكْ مَوْلَاهُ بِالكُلِّيَّةِ وَلَمْ يَبْلُغْ مَنْزِلَةَ الرُّبُوبِيَّةِ: فَيَاهَلْ تَرَى يَجُوزُ أَنْ يُقَالُ فِي مَعْرِفَتِهِ نَقْصٌ وَاهْتِضَامٌ، تَعَالَى إِسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ عَنْ ذَلِكَ، وَمَا أَرَى هَذَا النَّقْصَ وَالإِهْتِضَامَ وَالإِزْوِرَارَ وَالإِنْصِرَامَ غَيْرَ فِي نَفْسِ هَذَا الهَائِمِ الهَجَّامِ وَأَمْثَالِهِ وَأَشْبَاهِهِ وَأَشْكَالِهِ.
ثُمَّ أُخْرِجَ أَيْضًا عَنْ ظَنِّهِ تَفْسِيرًا فِي بَوَاطِنِ الأَقْدَاحِ الثَّلَاثَةِ، فَالبَعْضُ مِنْهُ يَؤُولُ إِلَى مَحْضِ الطَّرِيقَةِ، وَالبَعْضُ مِنْهُ يَؤُولُ إِلَى جَادَّةِ الحَيْرَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَأَمَّا بَاطِنُ الأَقْدَاحِ الثَّلَاثَةِ: فَجِبْرَائِيلُ هَاهُنَا البَابُ، وَمُحَمَّدٌ هَاهُنَا: هُوَ المُنْبَأُ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ اِقْتِبَاسَ المُنْبَإِ مِنَ البَابِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ العَوَالِمِ




