ثُمَّ قَالَ هَذَا المُنْبِتُ قَوْلًا حَسَنًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَدْرِ مَاهُوَ، وَهُوَ إِسْتِعَارَةٌ لَيْسَ مِنْ قِبَلِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَمْ يَزَلْ مَوْلَانَا مُتَجَلِّيًا لِلْعِيَانِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَزَمَانٍ، يَرَاهُ أَهْلُ الصَّفَا نُورًا شَعْشَعَانِيًّا، وَيَرَاهُ أَهْلُ الكَدَرِ جِسْمًا بَشَرِيًّا، وَذَلِكَ لُطْفًا مِنْهُ وَرَحْمَةً.
فَأَقُولُ: لَعَمْرِي إِنَّ هَذَا القَوْلَ صَحِيحًا، وَلَكِنْ رَاوِيهِ لَيْسَ يَدْرِيهِ، وَلَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يَدْرِ مَا وَرَاءَهُ، وَهُوَ مَعَنَا مُشِدًّا وَلِاعْتِقَادِنَا ضِدًّا وَعَلَى مَذْهَبِهِ رَدًّا، لِأَنَّ رَاوِيَهُ قَدْ أَثْبَتَ فِيهِ وُجُودَ النُّورِ وَالبَشَرِ، فَوُجُودُ النُّورِ لِأَهْلِ الصَّفَا وَوُجُودُ البَشَرِ لِأَهْلِ الكَدَرِ.
وَهَذَا الهَزِيلُ إِذَا طُولِبَ بِالدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ وُجُودِ البَشَرِ فِي وَقْتِنَا هَذَا لَمْ يَجِدْ إِلَى ذَلِكَ مِنْ سَبِيلٍ، وَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلَمْ يَزَلْ مَوْلَانَا مُتَجَلِّيًا لِلْعِيَانِ وَهُوَ عَنْ رُؤْيَةِ الوُجُودِ النُّورِيِّ أَعْجَزُ، لِأَنَّهُ يَسْمِيهِ النُّورَ القَاهِرَ وَإِشَارَتُهُ بِذَلِكَ إِلَى البَرْقِ، بِمَا أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَمْلَأَ نَظَرَهُ مِنْهُ، بَلْ يَقْهَرُ الأَبْصَارَ بِوُجُودِهِ، وَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا العِيَانِ الَّذِي لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَرَاهُ.
وَهَذَا غَيْرُ مَا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ لِقَوْلِ الشَّابِّ الثِّقَةِ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى المُرْتَدِّ حَيْثُ قَالَ: فَظُهُورُ الحَكِيمِ لِلْعِبَادِ بِمَا يَصُمُّ أَسْمَاعَهُمْ وَيُزِيلُ عُقُولَهُمْ وَيَكُفُّ أَبْصَارَهُمْ وَيُلَاشِي صُوَرَهُمْ خُرُوجًا عَنِ العَدْلِ وَالحِكْمَةِ وَالرَّأْفَةِ




