مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

غنيمة السفر وبلوغ الوطر - الشيخ حسين الأحمد

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 28 من 283

وَالِامْتِرَاجِيُّ: هُوَ أَنْ يَنْزِلَ حُكْمُ الوَحْدَانِيَّةِ مِنْهُ عِنْدَ ظُهُورِ الإِسْمِ بِهِ وَتَشْرِيفِهِ لَهُ بِبَعْضِ النُّورِ المُحْدَثِ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ وَمَعْدِنُهُ.

وَقَدْ أَجْمَعَ كَامِلُ المُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ البَارِيَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا، وَالعَبَثُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَصْطَنِعُ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ، فَإِذَا قُضِيَتِ الحَاجَةُ مِنْهُ أَهْمَلَهُ الصَّانِعُ لِوَقْتِهِ كَالآلَةِ لِلصِّنَاعَةِ، وَهَذِهِ أَفْعَالُ العَوَاجِزِ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إِيتَاءِ صَنْعَةٍ بِغَيْرِ وُجُودِ آلَاتِهَا وَلَوَازِمِهَا، وَالبَارِي تَعَالَى لَا يَفْعَلُ إِلَّا إِبْدَاعًا، وَلَا يَسْتَعِينُ بِآلَةٍ عَلَى صَنْعَةٍ وَلَا أَتَى بِفِعْلٍ أَظْهَرَهُ فِي الحَقِيقَةِ، ثُمَّ أَعْدَمَهُ فِي الحَقِيقَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَخْيِيلًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ.

فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ الظُّهُورُ الذَّاتِيُّ وَالمِثْلِيُّ وَالِامْتِزَاجِيُّ الَّذِي أَظْهَرَهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ كَائِنًا فِي كِيَانِ الوُجُودِ، يَرَاهُ مَنْ بَزَغَتْ أَنْوَارُ رُشْدِهِ وَاسْتَهَلَّتْ أَقْمَارُ سَعْدِهِ وَأَشْرَقَتْ شُمُوسُ مَجْدِهِ، فَشَهِدَ مِنَ الوُجُودِ وَالظُّهُورِ بِقَدْرِ شَفَافَةِ النُّورِ المُسْتَعِدِّ لِقَبُولِ الإِشْرَاقِ الكَائِنِ فِي كُلِّ كَوْرٍ وَدَوْرٍ.

وَهَذَا الرَّجُلُ الغَلِيظُ الرَّانِ فَقَدْ نَسَبَ فِعْلَ البَارِي لِلْعَبَثِ بِإِثْبَاتِهِ أَنَّ هَذَا الظُّهُورَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا فِي البَشَرِيَّةِ فَقَطْ، فَإِذَا كَانَ المَعْنَى شُرِّفَ إِسْمُهُ فِي البَشَرِيَّةِ، فَلِمَ لَا يُشَرِّفُهُ بِالنُّورَانِيَّةِ وَالقِدَمِ الَّتِي هِيَ أَقْدَمُ شَرَفًا وَأَقْرَبُ لُطْفًا؟

الصفحة 28 من 283